النتائج 1 إلى 1 من 1

الموضوع: دعوة و نصيحة من القلب إلى الشيخ محمد عمر بازمول -حفظه الله تعالى ووفقه-...

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jul 2004
    المشاركات
    714

    دعوة و نصيحة من القلب إلى الشيخ محمد عمر بازمول -حفظه الله تعالى ووفقه-...

    دعوة للشيخ محمد بن عمر بن سالم بازمول
    -حفظه الله ووفقه-
    بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    أيها الشيخ الفاضل محمد بن عمر بن سالم بازمول-وفقني الله وإياك لكل خير- هذه الدعوة من أخ لك أحبك في الله و أراد لك الخير؛ وتتمثل في الآتي:
    1- التأمل في كلامٍ لكَ مُدون في كتابك القيم! (معاملة العلماء) خاصةً المقصد الثالث: (حق العلماء)، و المقصد الرابع:( الأدب مع العلماء).
    2- ثم تتدبر كلامك المدون مع إخوانك المشايخ ( بمكة! ) في بيان تأييد الشيخ ربيع –هداه الله- في المسائل المُنتقَدة ! على الشيخ فالح-كان الله له-.
    3- ثم تقول كلمة الحق لا تخاف في الله لومة لائم.
    ولا بأس أن نُذَكِرك و القُراء خاصةً بعض الكُتاب في شبكة سحاب!-هداهم الله- بآداب معاملة العلماء من رسالتك القيمة:


    معاملة العلماء








    إعداد
    محمد بن عمر بن سالم بازمول
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله، نحمده، و نستعينه ، و نستغفره، ونعوذ بالله، من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله r .
    يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلاَتَمُوتُنّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مّسْلِمُونَ
    يَآأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوْا رَبَّكُمُ الَّذِيْ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيْراً وَنِسَآءً وَاتَّقُوْا اللَّهَ الَّذِيْ تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْباً
    يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً.
    ألا وإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
    أمّـا بعد: فهذا كتاب أسميته (معاملة العلماء)، قسمته على خمسة مقاصد، وقدمت بين يديه مقدمة وفي آخره خاتمة، وأقسامه هي التالية :
    المقدمة: تحديد أولي الأمر، وأقسام العلماء.
    المقصد الأول : صفة العالم.
    المقصد الثاني : فضل العلماء.
    المقصد الثالث : الأدب مع العلماء.
    المقصد الرابع : حق العلماء.
    المقصد الخامس : أضرار ضياع حق العلماء.
    الخاتمة : الحث على لزوم العلماء.
    هذا وأسأل الله تعالى التوفيق والهدى والرشاد والسداد.

    مقدمة : تحديد أولي الأمر وأقسام العلماء

    الحديث عن الأمراء والعلماء هو حديث الساعة!
    والله سبحانه وتعالى يقول: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء:59).
    [وأولوا الأمر هم : العلماء والأمراء .
    فإذا أمروا بما أمر الله به ورسوله وجبت طاعتهم وإن تنازع الناس في شيء وجب رده إلى الله والرسول، لا يرد إلى أحد دون الرسل الذين أرسلهم الله كما قال في الآية الأخرى: )كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( (البقرة:213)]().
    والعلماء ورثة الأنبياء.
    و [لما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسوله شعار حزبه المفلحين وأتباعه من العالمين كما قال تعالى: )قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ( (يوسف:108). وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء به وتبليغ معانيه؛ كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين:
    أحدهما : حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين هم أئمة الأنام وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأئمة معاقد الدين وعاقله، وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله، حتى ورد من سبقت له من الله الحسنى تلك المناهل صافية من الأدناس، لم تَشُبْها الآراء تغييرا، ووردوا فيها عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا.
    وهم الذين قال فيهم الإمام أحمد بن حنبل في خطبته المشهورة في كتابه في الرد على الزنادقة والجهمية: "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى. ويصبرون منهم على الأذى. يحيون بكتاب الله تعالى الموتى. ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس أحيوه. وكم من ضال تائه قد هدوه. فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين. وانتحال المبطلين. وتأويل الجاهلين. الذين عقدوا ألوية البدعة. وأطلقوا عنان الفتنة. فهم مختلفون في الكتاب. مخالفون للكتاب. مجمعون على مفارقة الكتاب. يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم. يتكلمون بالمتشابه من الكلام. ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتنة المضلين"
    القسم الثاني : فقهاء الإسلام ومن دارت الفتيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خصوا باستنباط الأحكام، وعنوا بضبط قواعد الحلال والحرام، فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء، وحاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء، بنص الكتاب قال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً( (النساء:59).
    قال عبد الله بن عباس في إحدى الروايتين عنه وجابر بن عبد الله والحسن البصري وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح والضحاك ومجاهد في إحدى الروايتين عنه: )أولو الأمر(: هم العلماء وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.
    وقال أبو هريرة وابن عباس في الرواية الأخرى وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل: هم الأمراء. وهو الرواية الثانية عن أحمد.
    والتحقيق [كما قال ابن القيم رحمه الله:] أن الأمراء إنما يطاعون إذ أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء]().
    و الكتابة في معاملة العلماء ـ صفة العالم، وفضله، والأدب معه، وحقه، وأضرار ضياع حق العالم ـ من المهمات التي يحتاجها المسلم، إذ لا غنى له عن العلماء يعلمونه شرع الله تعالى، ويرجع إليهم عند النوازل، وظهور الفتن والحوادث.
    وإليك البيان :
    المقصد الأول : صفة العَالِم
    بعض الناس يستهين بالعلم والعلماء؛ فلا يعرف قدر العلم و لا حق العلماء، يظن أن العلم هو تكثير الكلام، وتحسينه بالقصص والأشعار، والإكثار من الوعظ والرقائق.‍
    ومن الناس من يتوهم أن العلماء هم هؤلاء الرؤوس الذين يخوضون في الأحداث، يتكلمون فيها بما يسمونه فقه الواقع، يفتئتون على الأمراء والحكام، بلا هدى أو بصيرة.
    ومن الناس من صار العلم عنده هو مجرد ما في الكتب، فلم يلق بالاً إلى حقيقة أن هذا العلم نقل وفهم، والفهم محكوم بما عليه طريقة الرعيل الأول والطراز المكلل من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ فصار ينبز الاشتغال بالعلم، والجلوس في حلق العلم عند العلماء، وما درى أن من العلم أبواباً لا ينالها إلا بمشافهة العلماء والأخذ عنهم.
    ومن الناس من العلم عنده هو السفر والانتقال لدعوة الناس بزعمه، ويقول: لسنا بحاجة إلى كتب جديدة، إنما نحن بحاجة إلى دعاة ودعوة، وما درى المسكين أن فاقد الشيء لا يعطيه، وكيف تتم له الدعوة إلى الدين و هو جاهل به، لم يثن الركب على دروس العلم، ولم يشام العلماء ولم يصحبهم، ولم يعط العلم بعضه و لا كله، فهو منه في جدب وقحط.
    ومن الناس من لا يفرق بين العالم وبين القاص الواعظ، و لا بين طالب العلم والعالم، فالكل عنده علماء يستفتيهم ويأخذ عنهم، بل قد يرى أن الواعظ كثير الكلام كثير العلم، بل قد يراه بعضهم أعلى درجة من العالم لأن العالم قليل الكلام لا يجري في ذلك المضمار من القصص و الأشعار والتحليلات والأفكار، ولله في خلقه شؤون.
    والمسلم بحاجة إلى معرفة صفة العالم، كما بيّنها الله عزوجل في القرآن العظيم، من خلال الآيات القرآنية، التي ذكرت مواقف للعلماء يتبين منها صفاتهم، وهي التالية:
    1ـ رد المتشابه إلى المحكم من صفات الراسخين في العلم:
    قال الله تبارك وتعالى: )هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ( (آل عمران:7).
    فالعالم من صفاته التي قررها القرآن أنه يرد المتشابه إلى المحكم و لا يتبع المتشابه، وهذه الصفة مما يميز أهل الحق والهداية عن أهل الهوى والضلال، وقد جاء في الحديث ذكر الزجر والتحذير من الذين يتبعون المتشابه، عن عائشة رضي الله عنها قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: )هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ثم ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب(. قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم"().
    2ـ الخشوع والخضوع لأمر الله تعالى من صفات الذين أوتوا العلم :
    قال الله تبارك وتعالى: )قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً( (الإسراء:107ـ 109).
    قال الله تبارك وتعالى: )وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ( (فاطر:28).
    والخشية لله صفة يورثها العلم به سبحانه وتعالى.
    قال ابن تيمية رحمه الله: "وأما العلم فيراد به في الأصل نوعان:
    أحدهما : العلم به نفسه وبما هو متصف به من نعوت الجلال والإكرام وما دلت عليه أسماؤه الحسنى وهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة فإنه لا بد أن يعلم أن الله يثيب على طاعته ويعاقب على معصيته كما شهد به القرآن والعيان.
    وهذا معنى قول أبي حيان التيمي ـ أحد أتباع التابعين ـ : "العلماء ثلاثة : عالم بالله ليس عالما بأمر الله. وعالم بأمر الله ليس عالما بالله وعالم بالله، وبأمر الله، فالعالم بالله الذي يخشى الله والعالم بأمر الله الذي يعرف الحلال والحرام".
    وقال رجل للشعبي: أيها العالم فقال: "إنما العالم من يخشى الله".
    وقال عبدالله بن مسعود: "كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا"().
    والنوع الثاني : يراد بالعلم بالله العلم بالأحكام الشرعية كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترخص في شيء فبلغه أن أقواما تنزهوا عنه، فقال: "ما بال أقوام يتنزهون عن أشياء أترخص فيها والله إني لأعلمكم بالله وأخشاكم له"(). وفي رواية: "والله إني لأخشاكم لله وأعملكم بحدوده"، فجعل العلم به هو العلم بحدوده.
    وقريب من ذلك قول بعض التابعين في صفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: "إن كان الله في صدري لعظيما وإن كنت بذات الله لعليما"؛ أراد بذلك أحكام الله؛ فإن لفظ (الذات) في لغتهم لم يكن كلفظ (الذات) في اصطلاح المتأخرين بل يراد به ما يضاف إلى الله، كما قال خبيب رضي الله عنه:
    وذلك في ذات الإله وإن يشأ# يبارك على أوصال شلو ممزع
    ومنه الحديث: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله"()، ومنه قوله تعالى: )فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ((الأنفال: من الآية1)، )وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ( (الحديد: من الآية6) ونحو ذلك، فإن (ذات) تأنيث (ذو) وهو يستعمل مضافا يتوصل به إلى الوصف بالأجناس، فإذا كان الموصوف مذكرا قيل: ذو كذا، وإن كان مؤنثا قيل: ذات كذا، كما يقال: ذات سوار. فإن قيل: أصيب فلان في ذات الله فالمعنى في جهته ووجهته أي فيما أمر به وأحبه ولأجله"اهـ().
    عن مسعر قال سمعت عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من العلم مالا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه لأن الله تعالى نعت العلماء ثم قرأ القرآن: )إن الذين أوتوا العلم( إلى قوله: ) يبكون( (الإسراء:107ـ109)().
    قال الله تبارك وتعالى: )وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ( (الحج:54).
    عن أبي الدرداء قال: "لا تكون عالما حتى تكون متعلما ولا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا وكفى بك إثما أن لا تزال مخاصما وكفى بك إثما أن لا تزال مماريا وكفى بك كاذبا لا تزال محدثا ذات الله عزوجل"().
    وعن سفيان قال : "كان يقال العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله ليس بعالم بأمر الله،
    وعالم بالله عالم بأمر الله يخشى الله فذاك العالم الكامل، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله لا يخشى الله فذلك العالم الفاجر"().
    قال سفيان: "كان يقال اتقوا فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون"().
    3ـ من صفات العالم زهده وتقلله من الدنيا ونذارته لقومه :
    قال الله تبارك وتعالى: )وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ( (القصص:80).
    قال الله تبارك وتعالى: )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ( (التوبة:122).
    عن عمران المنقري قال: قلت للحسن يوما في شيء قاله: يا أبا سعيد ليس هكذا يقول الفقهاء! فقال: ويحك ورأيت أنت فقيها قط! إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بأمر دينه المداوم على عبادة ربه"().
    4ـ ومن صفاتهم أن علمهم في صدورهم آيات بينات، فهم على بصيرة من دينهم:
    قال الله تبارك وتعالى: )بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ( (العنكبوت:49).
    فعلمهم قال الله قال رسوله قال الصحابة.

    العلم قال الله قـال رســوله قال الصحابة ليس خلف فيه
    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي سفيه
    كلا و لا نصب الخلاف جهالة بين النصوص وبين رأي فقيه
    كلا ولا ردّ النصـوص تعمداً حذراً من التجسيم و التشبيه
    ولذا وصفهم الله بأنهم أهل الذكر وأمر بالرجوع إليهم حال السؤال عما لا نعلم، فقال تبارك وتعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ( (الأنبياء:7).
    فعلمهم ليس بتطويل العبارة وفصاحتها، و لا بكثرة الكلام، و لا بكثرة الرواية.
    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنْ النِّفَاقِ"().
    قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي رحمه الله: "وَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ وَالْبَذَاءُ هُوَ الْفُحْشُ فِي الْكَلَامِ، وَالْبَيَانُ هُوَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ مِثْلُ هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاءِ الَّذِينَ يَخْطُبُونَ فَيُوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَيَتَفَصَّحُونَ فِيهِ مِنْ مَدْحِ النَّاسِ فِيمَا لَا يُرْضِي اللَّهَ"اهـ().
    عن الحسن البصري رحمه الله قال: "لقد أدركت أقواماً إن كان الرجل منهم ليجلس مع القوم، فيرون أنه عيي، وما به من عي، إنه لفقيه مسلم"().
    قلت: فهذا كان حالهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وإنما أسكتتهم الخشية لله، وكراهتهم للشهرة، وإنما علمهم في صدورهم آيات بينات.
    وقد روي عن بعض السلف قوله: "ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العالم من اتبع العلم واستعمله واقتدى بالسنن وإن كان قليل العلم"().
    عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: "ليس العلم بكثرة الرواية ولكنه نور يجعله الله في القلوب"().
    معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: "نور" يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه().
    عن عون بن عبدالله عن ابن مسعود قال: "ليس العلم من كثرة الحديث، ولكن العلم من الخشية"().
    عن يحيى بن معين وسئل أيفتي الرجل من مائة ألف حديث؟ قال: لا . قلت: ومن مائتي ألف؟ قال: لا . قلت: ثلاثمائة؟ قال: لا . قلت: خمس مائة ألف. قال: أرجو وليس يكفيه إذا نصب نفسه للفتيا أن يجمع في الكتب ما ذكره يحيى دون معرفته به ونظره فيه وإتقانه له فإن العلم هو الفهم والدراية وليس بالإكثار والتوسع في الرواية"اهـ().
    قال قوام السنة الأصبهاني رحمه الله: "وينبغي للمرء أن يحذر محدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة. والسنة إنما هي التصديق لآثار رسول الله r وترك معارضتها بـ كيف، ولِمَ.
    والكلام والخصومات في الدين والجدال؛ محدث، وهو يوقع الشك في القلوب، ويمنع من معرفة الحق، الصواب.
    وليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو الاتباع والاستعمال؛ يقتدي بالصحابة والتابعين، وإن كان قليل العلم. ومن خالف الصحابة والتابعين فهو ضال، وإن كان كثير العلم"اهـ().
    وقال الذهبي رحمه الله: "العلم ليس هو بكثرة الرواية ولكنه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الاتباع والفرار من الهوى والابتداع وفقنا الله وإياكم لطاعته"اهـ().
    قال ابن رجب رحمه الله: "وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك. وهذا جهل محض وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس وهم أعلم منه. وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة والصحابة أعلم منهم. وكذلك تابعوا التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية و لا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد. وقد كان صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصاراً"اهـ().
    5ـ ومن صفاتهم: أنهم يرون أن الحق والهداية في اتباع ما أنزل من الله تعالى:
    قال الله تبارك وتعالى: )وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ( (سـبأ:6).
    فلا يتبعون الرأي، و لا يتخذونه أصلاً لهم.
    وهؤلاء هم الجهال الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله فيما جاء عن عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِنّ اللّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ النّاسِ. وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ. حَتّىَ إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِماً، اتّخَذَ النّاسُ رؤوسا جُهّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ. فَضَلّوا وَأَضَلّوا»().
    ففي هذا الحديث تحذير منهم ومن اتخاذهم مرجعاً للسؤال والفتوى والحكم في النوازل!
    ومن صور الرأي اتخاذ التحليلات الصحفية وتتبع الأخبار في المجلات وجعلها أساساً في نصح العامة ووعظهم وإرشادهم، ومن اتباع الرأي حرص بعضهم على تواجده أثناء الأحداث بتعليق أو خطبة أو محاضرة، وهذا كله رأي محض، والذين أوتوا العلم يعلمون أن ما أنزل الله عزوجل هو الحق وأنه يهدي إلى صراط العزيز الحميد؛ فمن صفات العلماء تركهم للتقليد، فإن المقلد يأخذ بقول غيره دون حجة. وهو غير المتبع؛ فإن الاتباع أخذ بقول من أوجب عليك الدليل اتباع قوله(). والعلم ما تبين واستيقن، والمقلد لا يعلم حجة فلا علم عنده.
    فإن قيل : هل معنى هذا أن المقلد ليس بعالم؟
    فالجواب: نعم المقلد ليس بعالم، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك؛ لكن هنا تفصيل لابد من الانتباه له:
    الموصوفون بالعلم عند عامة الناس على أقسام :
    القسم الأول : الذي درس المذهب والتزمه دون اعتبار للدليل الموافق أو المخالف، فالأصل عنده هو المذهب، وكل آية أو حديث تخالف المذهب فهي إمّا منسوخة أو مؤولة، يتعصب للمذهب تعصباً شديداً.
    فهؤلاء هم المقلدة الذين يعنيهم أهل العلم بنزع صفة العلم عنهم!
    القسم الثاني : الذي يدرس المذهب ويلتزمه مع اعتبار الدليل، وهم نوعان:
    النوع الأول : من يقلد المذهب ابتداء فإن وجد الدليل على خلافه أخذ بالدليل.
    وهذا بدأ مقلداً وانتهى متبعاً.
    النوع الثاني: من اتبع المذهب بالدليل ابتداء، يدرس المسألة مع دليلها، ويأخذ بها اتباعا، فإن تبين له الدليل على خلاف المذهب أخذ بالدليل.
    فهذا حقيقة أمره أنه متبع وليس بمقلد.
    القسم الثالث : من أخذ بالدليل ابتداء، مع نظره ودرسه في أصول مذهب معين أو في المذاهب وأصولها ونظره في أدلتها، وهو إن نسب إلى مذهب إنما ينسب إليه باعتبار أن أكثر دراسته وأصحابه على هذا المذهب، و لأنه إذا لم يقف في المسألة على دليل اتبع دليل المذهب الذي عليه أصحابه.
    فهذا هو المجتهد المقيد والمطلق، بحسب حاله في نظره واجتهاده.
    فتأمل هذه الأقسام الثلاثة ومدى انطباقها على ما جاء ذكره في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لما ذكر مثل ما بعثه به من الهدى والعلم.
    عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتْ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتْ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتْ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ"().
    6ـ أنهم يعقلون الأمثال التي يضربها الله في القرآن الكريم:
    قال الله تبارك وتعالى: )وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ( (العنكبوت:43).
    7ـ أنهم أهل الاستنباط والفهم:
    قال الله تبارك وتعالى : )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً( (النساء:83).
    وقال أبو حاتم الرازي رحمه الله: "العلم عندنا ما كان عن الله تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ وما صحت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا معارض له وما جاء عن الألباء من الصحابة ما اتفقوا عليه فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم فإذا خفي ذلك ولم يفهم فعن التابعين فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم مثل أيوب السختياني وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وسفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح ثم ما لم يوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن إدريس ويحيى بن آدم وابن عيينة ووكيع بن الجراح ومن بعدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميدي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأبي عبيد القاسم ابن سلام" انتهى
    قال ابن قيم الجوزية رحمه الله معقباً على كلام أبي حاتم: "فهذا طريق أهل العلم وأئمة الدين جعل أقوال هؤلاء بدلا عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم إنما يصار إليه عند عدم الماء فعدل هؤلاء المتأخرون المقلدون إلى التيمم والماء بين أظهرهم أسهل من التيمم بكثير"اهـ() .
    فإن قيل: أهل الرأي يستنبطون فكيف يكون هذا من صفة العلماء ؟
    فالجواب: الاستنباط المعتبر صفةً للعالم هو القائم على أصول أهل العلم، المستمد من القرآن العظيم والسنة المطهرة على ضوء فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم.
    وأصحاب الرأي تختلف أصولهم في النظر والاستنباط عن هذه الجادة، فهم ينتزعون استنباطهم من القرآن العظيم والسنة النبوية على أساس اللغة، ومنهم من ينتزعها على أساس اللغة والعقل، ومنهم من ينتزعها من القرآن والسنة على أساس الإشارات والإشراقات القلبية بزعمهم، ومنهم من ينتزعها على أساس فقه آل البيت دون غيرهم؛ فهذا استنباط على غير الجادة، والاستنباط المعتبر أصحابه من العلماء ما كان انتزاعه من الكتاب والسنة على ضوء فهم السلف.
    فهم أهل الاستنباط عند نزول النوازل وعند الفتن والحوادث، يعرفون الفتنة إذا أقبلت، أمّا إذا أدبرت فإنه يعرفها أي أحد.
    عن زريك عن أبي السليل: "أتيت صلة بن أشيم فقلت: يا صلة علمني مما علمك الله. قال: أنت اليوم مثلي أو نحوي يوم أتيت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: علمني مما علمك الله. قال: انصح للقرآن والمسلمين وارغب في دعاء الله ما استطعت ولا تكن قتيل العصا قتيل آل فلان وآل فلان وإياك وقوما يقولون: نحن المؤمنون وليسوا من الإيمان في شيء وهم الحرورية"
    قال زريك فسمعت الحسن يقول: "الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم وإذا أدبرت عرفها كل جاهل"().
    المقصد الثاني : فضل العلماء
    للعلماء فضائل كثيرة وردت في القرآن العظيم والسنة النبوية، والله سبحانه وتعالى يقول: )أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ( (الزمر:9).
    ومن فضائلهم :
    1ـ أنه لصبرهم وتقواهم كانت لهم الإمامة في الدين:
    قال الله تبارك وتعالى: )وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ( (البقرة:247) .
    فبين لهم نبيهم عليه الصلاة والسلام أن الله اصطفاه عليهم ونوّه إلى اتصافه بالبسط في العلم والجسم، ففي هذا إشارة إلى أن ذلك من أوصاف من يكون قائداً .
    )وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ( (السجدة:24).
    قال ابن تيمية رحمه الله : "جعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله في السجدة: ) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ ( فإن الدين كله علم بالحق وعمل به فالعمل به لا بد فيه من الصبر بل وطلب علمه يحتاج إلى الصبر. كما قال معاذ بن جبل: " عليكم بالعلم؛
    فإن طلبه لله عبادة. ومعرفته خشية. والبحث عنه جهاد. وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة. ومذاكرته تسبيح. به يعرف الله ويعبد. به يمجد ويوحد. يرفع الله بالعلم أقوما يجعلهم للناس قادة وأئمة يهتدون بهم وينتهون إلى رأيهم"()؛
    فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر؛ ولهذا قال تعالى: )وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ( (العصر:1ـ3)، وقال تعالى في ص: )وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ( (صّ:45)، فالعلم النافع هو أصل الهدى والعمل بالحق هو الرشاد وضد الأول هو الضلال وضد الثاني هو الغي؛
    فالضلال العمل بغير علم.
    والغي اتباع الهوى. قال تعالى: )وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى( (النجم:1ـ2)، فلا ينال الهدى إلا بالعلم، ولا ينال الرشاد إلا بالصبر؛ ولهذا قال علي: ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد فإذا انقطع الرأس بان الجسد ثم رفع صوته فقال: ألا لا إيمان لمن لا صبر له()"() .
    وقال رحمه الله: "وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جار على كلام من تقدم من أئمة الهدى ليس له قول ابتدعه ولكن أظهر السنة وبينها وذب عنها وبين حال مخالفيها وجاهد عليها وصبر على الأذى فيها لما أظهرت الأهواء والبدع وقد قال الله تعالى وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين فلما قام بذلك قرنت باسمه من الإمامة في السنة ما شهر به وصار متبوعا لمن بعده كما كان تابعا لمن قبله وإلا فالسنة هي ما تلقاه الصحابة عن رسول الله وتلقاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة وإن كان بعض الأئمة بها أعلم وعليها أصبر والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم والله أعلم"اهـ().
    2ـ أن طاعتهم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم:
    قال الله تبارك وتعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً((النساء:59).
    وأولي الأمر هم الأمراء والعلماء.
    فطاعة العلماء تبع لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء؛ فإن باب الخروج على الأمراء والحكام هو العلماء، فإن أضيع حق العلماء ضاع حق الأمراء، وإذا ضاع حق العلماء والأمراء خرج الناس عليهم؛ فحياة العالِم وصلاحه حياة العالَم وصلاحه! فإذا ضاعت حقوق العلماء ضاعت حقوق الأمراء وإذا ضاعت حقوق العلماء والأمراء فسد العالَم!
    3ـ أن الرد إليهم عند نزول النوازل لما خصّهم الله به من القدرة على الاستنباط:
    قال الله تبارك وتعالى: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً( (النساء:83).
    ففي الآية الرجوع إليهم عند نزول النوازل وطلب حكمها، وترك الافتئات عليهم والتقدم عليهم فيها.
    وفي الآية أن الرجوع إلى أهل الرأي رد لما أمر الله عزوجل به من الرد إلى العلماء الذين يستنبطونه، لأن أهل الرأي ليسوا من أهل الاستنباط.
    4ـ ومن فضلهم أنه قرنت شهادتهم بشهادة الله تعالى والملائكة:
    قال الله تبارك وتعالى: )شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( (آل عمران:18).
    5ـ ومن فضلهم أن اتباعهم يهدي إلى الصراط السوي :
    قال الله تبارك وتعالى: )يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً( (مريم:43).
    وقال تبارك وتعالى: )وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ( (الأنعام:153).
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ثُمَّ قَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ثُمَّ قَرَأَ: )إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ("().
    فمن اتبع العلماء اتبع الصراط المستقيم، ومن خالف العلماء وأضاع حقهم فقد خرج إلى سبيل الشيطان، ففارق الصراط المستقيم الذي عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه.
    قال محمد بن الحسين الآجري رحمه الله: "فما ظنكم ـ رحمكم الله ـ بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء فإن لم يكن فيه ضياء وإلا تحيروا فقيــض الله
    لهم فيه مصابيح تضيء لهم فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لا بد لهم من السلوك فيه فسلكوا، فبينما هم كذلك إذ طفئت المصابيح فبقوا في الظلمة فما ظنكم بهم! هكذا العلماء في الناس. لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، ولا كيف اجتناب المحارم، و لا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه؛ إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العالم تحيّر الناس ودرس العلم بموتهم وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون، مصيبة ما أعظمها مصيبة"اهـ().
    6ـ ومن فضلهم أنهم ورثة الأنبياء :
    عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وأورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"().
    قال أبو حاتم ابن حبان رضي الله عنه: " في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا هم الذين يعلمون علم النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره من سائر العلوم ألا تراه يقول العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا إلا العلم وعلم نبيــنا صلى الله عليه وسلم سنته فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء"اهـ().
    قال ابن القيم رحمه الله: "قوله: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وأورثوا العلم" هذا من كمال الأنبياء وعظم نصحهم للأمم وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم أن أزاح جميع العلل وحسم جميع المواد التي توهم بعض النفوس أن الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا وملكها فحماهم الله سبحانه وتعالى من ذلك أتم الحماية. ثم لما كان الغالب على الناس أن أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده ويسعى ويتعب ويحرم نفسه لولده سد هذه الذريعة عن أنبيائه ورسله وقطع هذا الوهم الذي عساه أن يخالط كثيرا من النفوس التي تقول: فلعله أن لم يطلب الدنيا لنفسه فهو يحصلها لولده فقال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا هو صدقة"، فلم تورث الأنبياء دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم. وأما قوله تعالى: )وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ( (النمل:16).
    فهو ميراث العلم والنبوة لا غير وهذا باتفاق أهل العلم من المفسرين وغيرهم وهذا لأن داود عليه السلام كان له أولاد كثيرة سوى سليمان فلو كان الموروث هو المال لم يكن سليمان مختصا به، وأيضا فإن كلام الله يصان عن الإخبار بمثل هذا فإنه بمنزلة أن يقال: مات فلان وورثه ابنه ومن المعلوم أن كل احد يرثه ابنه وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة، وأيضا فإن ما قبل الآية وما بعدها يبين أن المراد بهذه الوراثة وراثة العلم والنبوة لا وراثة المال قال تعالى:)وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ( (النمل:15ـ16). وإنما سيق هذا لبيان فضل سليمان وما خصه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب وهو العلم والنبوة )إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ( (النمل:16).
    وكذلك قول زكريا عليه الصلاة والسلام: )وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّا( (مريم:5ـ6)؛ فهذا ميراث العلم والنبوة والدعوة إلى الله وإلا فلا يظن بنبي كريم انه يخاف عصبته أن يرثوه ماله فيسأل الله العظيم ولدا يمنعهم ميراثه ويكون أحق به منهم وقد نزه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله فبعدا لمن حرف كتاب الله ورد على رسوله كلامه ونسب الأنبياء إلى ما هم برآء منزهون عنه والحمد لله على توفيقه وهدايته" اهـ().
    فالعلماء ورثوا العلم فبه يسوسون العباد والبلاد والممالك فموتهم فساد لنظام العالم.
    7ـ أنهم ممن أراد الله عزوجل بهم الخير.
    عن معاوية رضي الله عنه، قَالَ رَسُول اللّه صَلى اللّه عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: "من يرد اللّه بِهِ خيراً يفقهه فِي الدين"().
    فالعالم ممن أراد الله به خيراً.
    والعلماء ثلاثة : عالم بالله وبأمره. عالم بالله غير عالم بأمره. عالم بأمره غير عالم به.
    وقال علي بن خشرم: سمعت ابن عيينة يقول: قال بعض الفقهاء: كان يقال العلماء ثلاثة:
    عالم بالله
    عالم بأمر الله
    وعالم بالله وبأمر الله
    وأما العالم بأمر الله فهو الذي يعلم السنة ولا يخاف الله. وأما العالم بالله فهو الذي يخاف الله ولا يعلم السنة. وأما العالم بالله وبأمر الله فهو الذي يعلم السنة ويخاف الله فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماوات"() .
    8ـ إن الله وملائكته وأهل السماوات والأراضين يصلون على معلم الناس الخير:
    عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: "ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالْآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ"().
    قال الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ: "عَالِمٌ عَامِلٌ مُعَلِّمٌ يُدْعَى كَبِيرًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ"().
    9ـ أن العالم لا ينقطع عمله ما بقي علمه ينتفع به الناس.
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"().
    والحديث يدل على أن عمل العالم والثواب عليه لا ينقطع بمجرد موته مادام الناس ينتفعون بعلمه، وهذا يشمل ما خلفه من تعليم علمه للناس، وما خلفه من تصانيف ينتفع بها الناس، ويشمل في زماننا ما في حكم التصانيف من دروس وفتاوى مسجلة.
    المقصد الثالث : حق العلماء
    للعلماء حقوق، من لم يعرفها لهم فليس منا.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا"().
    ويروى عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه بزيادة: "وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا"().
    ومعرفة حق العالم هو حق العلم : أن يعرف قدره بما رفع الله من قدره وآتاه العلم قال تعالى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( (المجادلة:11)، فيعرف له درجته التي رفع الله له بما آتاه من العلم().
    فمن حق العلماء :
    1ـ إحسان الظن بهم؛ فإنه إذا كان من حق المسلم على المسلم أن يحسن الظن به، وأن يحمل كلامه على أحسن المحامل، فمن باب أولى وأولى العالم، فيحمل قوله وفعله على أفضل المحامل وأحسنها.
    يروى عن عمر بن الخطاب أنه قال: "لا تظنن بكلمة خرجت من في امرئ مسلم سوءا وأنت تجد لها في الخير محملا"().
    ويروى عن محمد بن سيرين قال: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا فإن لم تجد له عذرا فقل له عذر"().
    ويذكر عن جعفر بن محمد قال: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذرا واحدا إلى سبعين عذرا فإن أصبته وإلا قل لعل له عذرا لا أعرفه"().
    2ـ ومن حقهم اتهام المرء نفسه أمام فهمهم وتقواهم وورعهم، فلا يرى نفسه أفضل منهم، ولا يرى لفهمه ميزة على فهمهم.
    وأخشى لمن يرى لنفسه الفضيلة على العلماء أن يكون فيه من صفات الكبر فقد جاء في الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس"ِ().
    فبطر الحق : دفعه ورده وإنكاره.
    وغمط الناس : انتقاصهم واحتقارهم والتعالي عليهم.
    فإذا كان هذا الكبر مع عموم الناس، فما بالك مع العلماء.
    3ـ ومن حقهم أن يحترم اجتهادهم، حتى لو ظهر خطؤه وبان عدم صوابه، فإنه لا يخلو عن الأجر، إذ حال العلماء فيما اجتهدوا فيه دائر بين الأجرين والأجر والمغفرة.
    عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ"().
    يقول ابن القيم رحمه الله: "لا قول مع قول الله وقول الرسول، ولابد من أمرين:
    أحدهما أعظم من الآخر : وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة، والعدل وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل.
    والثاني : معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم فهذان طرفان جائران عن القصد وقصد السبيل بينهما فلا نؤثم ولا نعصم ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام وإنما يتنافيان عند أحد رجلين جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله ومن له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده فلا يجوز أن يتبع فيها ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين"اهـ().
    4ـ ومن حقهم أن يتأمل قولهم واجتهادهم و لا يهجم إلى نقده؛ فكم من قول لعالم انتقده بعض الناس وآفة الناقد الفهم السقيم لكلامهم!
    وكم من عائب قولاً صحيحاً # وآفته من الفـهم السقيـم
    5ـ ومن حقهم أن لا ينسب إليهم القصور في جوانب من العلم الدنيوي، فلا يقال عن العالم: إنه لا علم له بالطب أو الهندسة. وكذا ما يشنشن به بعضهم من نسبة القصور في فقه الواقع للعلماء، وما درى المسكين ما هو فقه الواقع المعتبر! وما درى أن في الشرع كفاية وغنية لمن أراد العلم الحق والمعرفة الصحيحة!
    فـ[الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه عما لا ينبغي ، وألا يتكلم إلا عن بصيرة. فالقول بأن فلانا لم يفقه الواقع هذا يحتاج إلى علم ، ولا يقوله إلا من عنده علم حتى يستطيع الحكم بأن فلاناً لم يفقه الواقع . أما أن يقـول هذا جزافاً ويحكم برأيه على غير دليل فهذا منكر عظيم لا يجوز ، والعلم بأن صاحب الفتوى لم يفقه الواقع يحتاج إلى دليل ولا يتسنى ذلك إلا للعلماء]().
    6ـ ومن حقهم لزومهم والالتفاف حولهم والأخذ منهم ونبذ الفرقة والاختلاف. وليُعلم أن البعد عنهم خطره جسيم فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ من الغنم الْقَاصِيَةَ. وفِي الْجَمَاعَةِ والالتفاف حول العلماء ولزومهم السلامة من الوقوع في البدعة بين براثن الهوى والشهوة، وفيه تعظيم أمر الدين وأمر العلم والعلماء، وإدخال الرهبة في أصحاب المعصية والفسق.
    7ـ ومن حقهم حرمة الوقوع فيهم وفي أعراضهم، فإذا كان كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، وهذا في عموم المسلمين، فكيف الحال بأعراض العلماء، وهم خاصة المسلمين؟! لا غرو كانت لحوم العلماء مسمومة وسنة الله في منتقصيهم معلومة!
    8ـ ومن حقهم أن لا يفتأت عليهم ولا يتقدم بين أيديهم، بل يرجع إليهم عند نزول النازلة، ليستنبط حكمها من الشرع امتثالاً لقوله تبارك وتعالى: )وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً( (النساء:83). فإصدار البيانات العامة والخطابات العامة في النوازل لا يفتأت فيه عليهم بل لابد من الرجوع إليهم، فإن هذا من حقهم.
    قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره للآية الكريمة السابقة: "هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة، ما يتعلق بالأمن، وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر؛ بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم: أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها.
    فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم؛ فعلوا ذلك. وإن رأوا ما فيه مصلحة أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته؛لم يذيعوه؛ ولهذا قال: )لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ( (النساء: من الآية83) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة، وعلومهم الرشيدة.
    وفي هذا دليل لقاعدة أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور، ينبغي أن يولى من هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ.
    وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور ، من حين سماعها.
    والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه هل هو مصلحة فيقدم عليه الإنسان أم لا فيحجم عنه.
    ثم قال : )وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ( (النساء: من الآية83) أي: في توفيقكم وتأديبكم، وتعليمكم ما لم تكونوا تعلمون. )لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً( (النساء: من الآية83) لأن الإنسان بطبعه ظالم جاهل، فلا تأمره نفسه إلا بالشر، فإذا لجأ إلى ربه واعتصم به واجتهد في ذلك لطف به ووفقه لكل خير وعصمه من الشيطان الرجيم"اهـ().
    9ـ ومن حقهم ترك التعصب لقولهم دون دليل، فإن هناك فرق بين تعظيم العالم وتوقيره ومعرفة حقه، وبين التعصب لقوله وإن خالف الدليل. فإن التعصب مذموم وهو من الجهل، وتوقير العالم واحترامه من فضل العلم مما دعى إليه الشرع. وترك التعصب لأقوال العلماء التي خالفها الدليل ليس من باب إهدار أقوال العلماء وضياع حقوقهم، بل هو من تجريد المتابعة للمعصوم صلى الله عليه وسلم، وهو من حفظ حقوق العلماء.
    قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: "الفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها:
    أن تجريد المتابعة: أن لا تقدم على ما جاء به قول أحد ولا رأيه كائنا من كان، بل تنظر في صحة الحديث أولا، فإذا صح لك نظرت في معناه ثانيا، فإذا تبين لك لم تعدل عنه ولو خالفك من بين المشرق المغرب؛ ومعاذ الله أن تتفق الأمة على مخالفة ما جاء به نبيها، بل لا بد أن يكون في الأمة من قال به ولو لم تعلمه، فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص ولا تضعف، واعلم أنه قد قال به قائل قطعا ولكن لم يصل إليك.
    هذا؛ مع حفظ مراتب العلماء وموالاتهم واعتقاد حرمتهم وأمانتهم واجتهادهم في حفظ الدين وضبطه، فهم دائرون بين الأجر والأجرين والمغفرة؛ ولكن لا يوجب هذا إهدار النصوص وتقديم قول الواحد منهم عليها، بشبهة انه اعلم بها منك فإن كان كذلك فمن ذهب إلى النص أعلم به منك؛ فهلا وافقته إن كنت صادقا! فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص،لم يهدر أقوالهم ولم يهضم جانبهم بل اقتدى بهم فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به، لا من خالفهم فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه، أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها؛ من تقديم النص على أقوالهم.
    ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به ولذلك سمى تقليدا بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى قال الشافعي: "اجمع الناس على أن من استبانت له سنة رسول الله لم يكن له أن يدعها لقول أحد"."اهـ().
    وليخش الذي يضيع حق العلماء ويؤذيهم من دخوله في حرب الله، إذ العلماء من الأولياء، قال الله تبارك وتعالى: )أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ( (يونس:64).
    عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ"().
    وجاء الحديث من طريق عَبْدُ الْوَاحِدِ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ آذَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ اسْتَحَلَّ مُحَارَبَتِي وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ إِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ وَإِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ وَفَاتِهِ لِأَنَّهُ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ" وفي رواية: "من أَذَلَّ لِي"().
    فهل يريد أحد يخشى الله ويخافه أن يكون ممن آذن الله بحرب؟!
    وهذا يقرر وجوب محبتهم وموالاتهم ومودتهم وتوقيرهم ونصرتهم في الحق الذي معهم وإجلالهم لما خصهم الله به من كونهم الموقعين عن رب العالمين، وهذا من أعظم حقوقهم التي تجب على عموم المسلمين، وقد نص العلماء الأعلام أن الاستهزاء والسخرية بالعلماء من أجل ما هم عليه من الشرع، استهزاء بالشرع والاستهزاء بالشريعة كفر! والله عزوجل يقول: )وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ. لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ( (التوبة:65ـ66).
    المقصد الرابع : الأدب مع العلماء
    احترام العلماء وتوقيرهم وتعظيمهم، من حقوقهم التي يجب علينا مراعاتها. حتى قيل: يعامل العلماء كمعاملة الخلفاء، يعني في الأدب معهم.
    نقل عن أيوب بن القرية أنه قال: "أحق الناس بالإجلال ثلاثة:
    العلماء.
    والإخوان.
    والسلاطين.
    فمن استخف بالعلماء أفسد مروءته.
    ومن استخف بالسلطان أفسد دنياه.
    والعاقل لا يستخف بأحد.
    قال: والعاقل دينه شريعته، والحلم طبيعته، والرأي الحسن سجيته"().
    و يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "من حق العالم عليك: أن تسلم على القوم عامة وتخصه دونهم بالتحية.
    وأن تجلس أمامه .
    ولا تشيرن عنده بيدك .
    ولا تغمزن بعينيك.
    ولا تقولن: قال فلان خلافا لقوله.
    ولا تغتابن عنده أحداً.
    ولا تسار في مجلسه.
    ولا تأخذ بثوبه.
    ولا تلح عليه إذا كسل.
    ولا تعرض من طول صحبته فإما هو بمنزلة النخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء.
    وإن المؤمن العالم لأعظم أجرا من الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة"().
    فهذه جملة من الآداب التي تراعى مع العلماء، ولنفردها على أقسام، فأقول:
    الأدب مع العالم في درسه:
    فمن الأدب مع العالم في درسه :
    ـ الحرص على الدرس ولزومه.
    ـ تفهم عبارته وإشارته.
    ـ صرف العين والوجه إليه.
    ـ ترك الاشتغال أمامه بأي شيء آخر غير السماع لدرسه.
    ـ الحرص على حسن الاستماع وحسن السؤال.
    ـ القرب منه ما أمكن.
    ـ قلة الحركة إلا لحاجة أمامه.
    ـ ترك الاسترسال أثناء الدرس بالكلام حتى ولو أذن بالتعليق.
    ـ ترك الأسئلة أثناء الدرس وليحفظ الطالب أسئلته إلى ما بعد الدرس.
    ـ إذا سأل العالم يحسن سؤاله فإن حسن السؤال نصف العلم.
    ـ إذا سمع جواب العالم يتدبره ويتفهمه قبل أن يعيد السؤال.

    الأدب مع العالم في صحبته:
    طالب العلم مع الشيخ خادم، ولأمر ما كان من أسماء طالب العلم مع شيخه: (تلميذ)، والتلميذ جمعها (التلاميذ) و هم الخدم والأتباع. ويأتي التلميذ بمعنى متعلم الصنعة. والتلميذ الخادم.
    قال الشاعر لبيد بن ربيعة:

    فالمـاء يجلو متونهن كما يجلو التلاميذ لؤلؤاً قشباً
    قوله: (التلاميذ) غلمان الصناع. وقوله: (القشب) القشيب الجديد، والجمع قشب().
    عن ابن وهب عن مالك قال: كان عبيد الله بن عبدالله بن عتبة من علماء الناس كثير العلم وكان ابن شهاب يخدمه حتى إنه كان ليناوله الشيء.
    قال: وكان ابن شهاب يصحب عبيد الله حتى إنه كان لينزع له الماء. قال: وكان عبيد الله بن عبد الله إذا دخل في صلاته فقعد إليه إنسان لم يقبل عليه حتى يخلو من صلاته على نحو ما كان يرى من طولها. قال مالك: إن علي بن الحسين كان من أهل الفضل وكان يأتيه فيجلس إليه فيطول عبيد الله صلاته ولا يلتفت إليه فيقال له: علي بن الحسين! وهو ممن هو منه فقال: لا بد لمن طلب هذا الأمر يعنى به"().
    فطالب العلم في صحبة شيخه خادم له، وعليه أن يتحلى بالصفات التالية:
    ـ أن لا يرفع صوته أمامه.
    ـ أن يبادر إلى تلبية طلبه.
    ـ أن لا يتقدمه إلا لخدمته.
    ـ أن يعظمه في خطابه.
    ـ أن لا يلح عليه عند كسله أو شغله.
    ـ أن لا يحرجه بالسؤال عما يعلم أن العالم لا يريد الكلام فيه.
    وعموماً عليه أن يحرص في صحبة العالم على مراعاة حق العلم الذي خصه الله به، وليتذكر قول الله تبارك وتعالى: )يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ( (المجادلة:11).
    الأدب مع العالم في مجلسه:
    وفي مجلس العالم ينتبه إلى الأمور التالية:
    ـ أن يكون مجلسه دون العالم.
    ـ أن لا يكون بعيداً عن العالم و لا قريباً جداً منه في مجلسه.
    ـ أن يتفسح للطلاب الذين يريدون الجلوس.
    ـ أن لا يشغب بالكلام في مجلسه، و لا يماري و لا يجادل.
    ـ أن لا يبدأ الحديث حتى يبدأ الشيخ.
    ـ أن لا يفرض على مجلس الشيخ حديثاً بدون إذن الشيخ.
    ـ أن لا يتكلم بعد كلام الشيخ إلا بإذنه.
    ـ أن لا يغتاب عنده أحداً.
    ـ أن لا يشعره بتململ أو تضجر.
    ـ أن لا يجلس جلسة تنبئ عن عدم الاكتراث أو قلة الاهتمام.
    ـ أن يتحمل من شيخه ما قد يعتريه من وعورة خلق أو شدة فإنما هو بشر.
    الأدب مع العالم مع فتواه:
    العلماء يوقعون فتاواهم عن الله، فكيف ينبغي أن يكون حالنا معهم في فتاواهم؟! هذه بعض الآداب:
    ـ عدم التعنيف والتشنيع على الواحد منهم إذا كان له رأي رآه بحسب اجتهاده، في مسألة اجتهادية.
    ـ إحسان الظن بهم في فتاواهم، فلا يقال عن العالم: أفتى لغرض دنيوي، أو لكذا.
    ـ عند تحقق خطأ العالم يسقط القول الذي أخطأ فيه و لا يسقط العالم.
    ـ الثقة في علمه وتحريره وترجيحه. فيتلقى بالتأمل والتدبر وإحسان الظن، واتهام النفس بعدم الفهم، فلا يهجم على رد أو مناقشة قبل ذلك، وإن بدا له شيء فلا يتعجل حتى يتأكد ويستشير ويستخير ثم يقدم ما بدا له إلى شيخه برفق وأدب، و دون أن يرى لنفسه فضلاً، فإن لشيخه الفضل أن علّمه وفهمه حتى استطاع أن ينتبه إلى ما انتبه إليه.
    ـ الأصل تلقي فتوى العالم بالقبول إلا أن يظهر مخالفتها للدليل الذي يلزم المصير إليه. أمّا مادام لم يظهر ما يقتضي مخالفتها للدليل الذي يلزم المصير إليه فإن المسألة اجتهادية، والأصل أن اجتهاد العالم لا ينقض باجتهاد عالم غيره، وذلك في غير المسائل التي يترافع فيها إلى الحاكم الشرعي.
    ـ ومن الأدب معه في فتواه أو عند ذكره أو ذكر كتبه تعظيمه وتوقيره.
    ـ ومن الأدب معه عند ذكره أن يدعو له، ويعظمه، فلا يسميه باسمه، و لا ينبزه بلقب، و لا يشينه بنسبة.
    ـ وأن لا يشير إلى تناقض فتواه مع أخرى سبقت له؛ إنما يسأل ويستهدي ويسترشد برفق.
    ـ أن لا يقول له : العالم الفلاني قال بكذا يعني خلافاً لقوله.
    المقصد الخامس: أضرار ضياع حق العلماء

    حياة العَالِم حياة العالَم.
    يروى عن علي بن أبي طالب قال: "إذا مات العالم انثلمت في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء إلى يوم القيامة"().
    قال ابن القيم رحمه الله: "لما كان قيام الإسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس كلهم لهم تبعا، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين وفساده بفسادهما، كما قال عبد الله بن المبارك وغيره من السلف: صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس. قيل: من هم؟ قال: الملوك والعلماء. كما قال عبد الله بن المبارك:

    رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذل إدمانها
    وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيـانها
    وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبـار سوء و رهبانها()
    وإذا كانت طاعة العلماء تبع لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء؛ فإن معصية العلماء ومخالفتهم وضياع حقوقهم ضياع لحقوق الأمراء وفتح لباب معصيتهم والخروج عليهم.
    فحياة العالِم وصلاحه حياة العالَم وصلاحه! فإذا ضاعت حقوق العلماء ضاعت حقوق الأمراء وإذا ضاعت حقوق العلماء والأمراء فسد العالَم!
    وأضرار ضياع حق العلماء كثيرة منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، فإن ضياع حق العلماء فساد في الأرض، والله يقول: )ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( (الروم:41)؛
    فمن أضرار ضياع حق العلماء:
    1) رفع العلم . فإذا كان العلم يقبض بموت العلماء. وإذا كان ضياع حق العالم يسبب الحرمان من علمه. فإن ضياع حق العالم كموته يقبض بسببه العلم. فضياع حق العلماء هو موت حكمي للعلم.
    عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"().
    وبوّب البخاري في صحيحه في كتاب العلم : "بَاب كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاكْتُبْهُ فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا"اهـ.
    وقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا" أي خفية، أراد به كتمان العلم()، وهذا من لوازم ضياع حق العلماء، فإذا ما ضُيّع حق العالم يُزهد في علمه، ويكتم فلا يعود يعرف إلا سراً، بسبب غلبة الجهل على الناس؛ فلا بد أن يعرف الناس العالم، ويجلس للناس يعلمهم، ويجلس الناس إليه لينتفعوا بعلمه: "وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا".
    فإن قيل: ما مناسبة قبض العلم بموت العلماء حقيقة أو حكماً، والقرآن العظيم موجود والسنة موجودة و كتب العلم موجودة مدونة؟
    فالجواب: يقبض العلم بموت العلماء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولعل مناسبة ذلك تظهر في الأمور التالية:
    الأمر الأول : أن العالم يعظم أمر الدين والشرع، فيحث الناس ويدعوهم إلى تطبيقه سنناً وواجبات، فكم من سنة مدونة ومكتوبة أظهرها الله على يد عالم دعى الناس إليها وعلمهم إياها وحثهم على إحيائها، ولا يحصل هذا بمجرد الكتب.
    الأمر الثاني : أن العالم بين الناس قدوة صالحة ، يرى الناس فيه الدين مطبقاً ظاهراً. والقدوة من أعظم طرق التربية والتعليم، فالسنة شعار العالم. فإذا مات العالم اختفت صورة الدين التي كانت عليه بين الناس، وحصول القدوة لا يكون بمجرد الكتب.
    الأمر الثالث : أن العالم لديه ملكة علمية فقهية تساعده على الاستنباط، فإذا ما نزلت النازلة أمكنه بأسرع وقت استنباط الحكم وتعليمه ونشره بين الناس، وبيان حكم الشرع في هذه النازلة، وهذه الملكة لا تأتي بمجرد قراءة للكتب عند نزول النازلة بدون طول ممارسة ومشافهة للعلماء.
    الأمر الرابع : أن العالم يجتمع لديه من فقه الكتاب والسنة و من العلوم والمعارف والتجارب والدراية بأحوال الناس وشؤونهم وأمورهم ما لا يوجد في كتاب، وإذا أراد أحد أن يتتبع كل ذلك احتاج إلى زمان طويل، إذ العالم طوى ذلك في سنوات عمره منذ تلقيه للطلب، فكيف يأتي هذا عن مجرد كتاب؟!
    الأمر الخامس : أن للعلماء ثلاثة أسماء، وهي التالية:
    الاسم الأول : العالم، وهو الذي يقرر أحكام الشرع على ما هي عليه.
    الاسم الثاني : المفتي، وهو من ينزل حكم الشرع على واقع المستفتي.
    الاسم الثالث : الحاكم الشرعي وهو القاضي، وهو الذي ينفذ الحكم ويطبقه، واجتهاده يرفع الخلاف في المسألة الاجتهادية.
    وكل حاكم مفتي وكل مفتي عالم و لا عكس.
    والكتب لا تعطي عالماً و لا مفتياً و لا حاكماً شرعياً على الوصف السابق؛ فلا يستطيع الكتاب أن يجمع ما يحتاجه تقرير الحكم الشرعي في القضية المعينة فتحتاج أن تطالع فيها أكثر من كتاب، وتحتاج الترجيح عند الاختلاف وتطبيق قواعد أهل العلم، وهذا لا يعطيكه كتاب، ولا يستطيع الكتاب أن ينزل حكم الشرع على واقع المستفتي، ولا يستطيع الكتاب أن ينفذ الحكم ويطبقه في الحكومة؛ فقبض العلم بموت العلماء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
    2) غياب المرجعية، وذلك أن ضياع حق العلماء يجعل العوام لا يعرفون قدر أهل العلم و لا يحفظون مكانتهم، فتغيب شمس المرجعية عن حياتهم، فيتخبطون في ظلام الجهل، ويختل نظام الحياة، فإن العلماء هم الذين يسوسون العباد والبلاد والممالك فموتهم حقيقة أو حكماً فساد لنظام العالم، فما يعود للناس مرجع يرجعون إليه عند نزول النوازل وحدوث الحوادث، فيقعون في هرج ومرج، إلا أن يشاء الله. وهذا ما جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ"(). فانظر كيف جاءت هذه الأشراط متتابعة!
    3) اختلال الأمان النفسي، وذلك لأن غياب المرجعية العلمية يترك فراغاُ في النفس البشرية، لا يسده إلا أن تجد من يغذي حاجتها، فيتخذ الناس رؤوساً جهالاً فيقع الضرر التالي:
    4) اتخاذ رؤوساً جهلاء، وذلك نتيجة غياب المرجعية وحاجة المرء إلى من يرجع إليه في سؤاله وبحثه، فإذا لم يجد العلماء، لأن صورتهم قد زلزلت في ذهنه، وما عاد يراهم علماء، فإنه ينظر إلى من يُبْرز على أنه عالم، فيتخذه له مرجعاً، "حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
    5) ومن أضرار ضياع حق العلماء : موافقة أهل البدع والأهواء ومشابهتهم، وذلك أن من سنن أهل البدع والأهواء انتقاص العلماء، وانظر ما شئت من الفرق والجماعات المخالفة لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم ولما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم تجد هذا فيهم؛
    فالشيعة أمرهم مشهور().
    والخوارج حالهم في ذلك مذكور().
    والمعتزلة شأنهم معروف().
    والصوفية ونبزهم علماء الشرع أمره ملحوظ().
    وهكذا لا تجد فرقة و لا جماعة و لا طائفة تخالف الصراط المستقيم، وتخرج عن سبيل المؤمنين، إلا وهي تتكلم في العلماء وتطعن فيهم وتضع من شأنهم، وتضيع حقهم، وتتخذ رؤوساً جهالاً!
    قال الشاطبي رحمه الله: "روي أن زعيماً من زعماء أهل البدعة كان يريد تفضيل الكلام (يعني: ما يسمى بعلم الكلام) على الفقه، فكان يقول: إن علم الشافعي وأبي حنيفة جملته لا يخرج عن سراويل امرأة (يعني: أحكام الحيض والنفاس).
    هذا كلام هؤلاء الزائغين، قاتلهم الله"اهـ().
    6) ومن أضرار ضياع حق العلماء: وقوع الناس في الضلال والخروج عن صراط الهداية، وسبيل والرشاد. وذلك أن الناس سيتخذون رؤوساً جهالاً بدلاً من العلماء فيسألونهم فيفتونهم بغير علم فيضلوا، فيكون من الأضرار وقوع الناس في الضلال. وقد جاء ذكر ذلك في الحديث السابق وهو ما جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"().
    ومحل الشاهد فيه هنا قوله: " فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"، فانظر كيف حكم عليهم بالضلال والإضلال!
    7) ومن إضرار ضياع حقوق العلماء : حلول الذل والهوان على الأمة، يوضح ذلك الحديث الذي جاء عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ"().
    و لا طريق للناس إلى الرجوع إلى الدين إلا بالعلماء. فإذا أضاعوا حق العلماء وما عادوا يعرفونهم وزهدوا فيهم واتخذوا رؤوساً جهالاً كيف يرجعون إلى الدين؟
    والدين هو ما جاء في حديث جبريل لما ذكر الإسلام والإيمان والإحسان و أشراط الساعة، ثم قال في آخره: "ثم انْطَلَقَ (يعني : السائل الذي جاء يسأل على تلك الهيئة العجيبة) فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"().
    فإذا أسقط العلماء واتخذ الناس رؤوساً جهالاً من يعود بالناس إلى دينهم؟! كيف يخرجون من حال الذل والهوان بدون العلماء؟!
    8ـ ومن أضرار ضياع حقوق العلماء: الخروج عن سبيل المؤمنين، وهذا منحى توعد أصحابه بالنار.
    )وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً( (النساء:115).
    9ـ ومن أضرار ضياع حقوق العلماء : الوقوع في خلاف ما أمر به صلى الله عليه وسلم من إكرام العلماء وحفظ حقوقهم وعدم إيذائهم، والله عزوجل يقول: )فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ( (النور:63).
    الخاتمة
    في الحث على لزوم العلماء
    اعلم أيها الأخ ـ وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه ـ أن غاية هذه المقاصد، إنما هو تأكيد لزوم العلماء، والأخذ عنهم، والحرص على مجالسهم، فإن مجالس العلماء [تفيد الحكمة. وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة. وهم أفضل من العُبّاد. وأعلى درجة من الزُّهّاد. حياتهم غنيمة. وموتهم مصيبة. يذكرون الغافل. ويعلمون الجاهل. لا يتوقع لهم بائقة. و لا يخاف منهم غائلة.
    بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون. وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون. جميع الخلق إلى علمهم محتاج. والصحيح على من خالف بقولهم محجاج. الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة. والمعصية لهم محرمة. من أطاعهم رشد. ومن عصاهم عند. ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه، حتى وقف فيه، فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر. وما ورد أمراء المسلمين من حكم لا علم لهم به بقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون. وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم فبقول العلماء يحكمون، وعليه يعولون؛ فهم سرج العباد. ومنار البلاد. وقوام الأمة. وينابيع الحكمة. هم غيظ الشيطان.
    بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ.
    مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وإذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا]().
    هذا ما يسّر الله لي جمعه وكتابته، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.اهـ كلام الشيخ محمد بازمول-
    أسأل الله تعالى أن تجد قلب واعيا والله الموفق.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد الصميلي ; 12-24-2004 الساعة 02:05 PM

المواضيع المتشابهه

  1. المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان
    بواسطة عبد المالك في المنتدى المنتدى العـام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 07-23-2008, 03:44 PM
  2. مشاركات: 8
    آخر مشاركة: 09-15-2007, 01:39 PM
  3. المناهي اللفظية الشيخ محمد بن صالح العثيمين
    بواسطة عسلاوي مصطفى في المنتدى المنتدى العـام
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 03-08-2006, 03:03 PM
  4. مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 12-06-2005, 11:29 PM
  5. ماذا يريد أهل السنة من أهل السنة -للشيخ المفضّال :فوزي الآثري
    بواسطة صالح زيد في المنتدى المنتدى العـام
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 12-13-2004, 09:29 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •