النتائج 1 إلى 5 من 5

الموضوع: شرح الشيخ صالح آل الشيخ لفصل ( الإيمان ) من العقيدة الطحاوية

  1. #1
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    333333
    المشاركات
    42

    شرح الشيخ صالح آل الشيخ لفصل ( الإيمان ) من العقيدة الطحاوية

    وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.
    وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.



    [الشرح]
    الحمد لله، وبعد:
    هذه الجملة من كلام العلامة الطحاوي رحمه الله من الأصول العظيمة في معتقد أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بمجرد حصول الذنب منه إلا إذا استحلّه باعتقاد كونه حلالا له أو حلالا مطلقا، وكذلك أنهم لا يخفّفون أمر الذنوب بحيث يجعلون الذنب غير مؤثّر في الإيمان، لهذا قال تقريرا لهذا الأصل العظيم (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ. وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.)، وهذه الجملة من كلامه أراد بها أن حصول الذنب من أهل القبلة لا يعني تكفيره كما ذهبت إلى ذلك الخوارج، وحصول الذنب من أهل القبلة لا يعني أنّ هذا المؤمن لم يتأثر بحصول الذنب منه كما تقوله المرجئة، فخالف في هذا القول الخوارج والمعتزلة وخالف أيضا المرجئة.
    وهذه المسألة لاشك أنها من المسائل العظيمة جدا وهي مسألة التكفير تكفير المنتسب إلى القبلة الذي ثبت إسلامه وإيمانه، إذا حصل منه ذنب فإن قاعدة أهل السنة والجماعة أن من دخل في الإسلام والإيمان بيقين لم يُخرجه منه مجرد ذنب حصل منه، ولا يُخرجه منه كل ذنب حرّمه الشارع؛ بل لابد في الذنوب العملية من الاستحلال بأن يعتقد أن هذا العمل منه حلال له وليس بذنب وأنه ليس بمحرّم، وهذا هو طريقة أهل السنة والجماعة بأنهم لا يكفّرون؛ بل يخطئون أو يضللون أو يفسقون، فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته مسلم بما معه من التوحيد؛ ولكنه فاسق لما ارتكب من الكبيرة التي أظهرها ولم يتب منها.
    فهذه الجملة فيها تقرير لعقيدة أهل السنة ومخالفتهم للخوارج والمعتزلة وكذلك فيها مخالفة أهل السنة للمرجئة.
    إذا تبين هذا فتحت هذه الجملة مسائل:

    المسألة الأولى: في الدليل؛ دليل أهل السنة والجماعة على أن من أصاب ذنبا من أهل القبلة فإنه لا يُكَفَّر دلّ على ذلك جملة أدلة من الكتاب والسنة:
    منها قول الله جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾[البقرة:178]، ومعلوم أن القاتل داخل في هذا الخطاب في النداء بالإيمان، وقال جل وعلا بعدها ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾[البقرة:178]، فسماه أخا له فدل على أن حصول القتل على عظمه لم ينف اسم الإيمان.
    وكذلك قوله جل وعلا ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ(9)إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾[الحجرات:9-10]، فسمّاهم مؤمنين وسماهم إخوة أيضا فوصفهم بالأخوة فدل على أن وقوع القتل منهم لم ينفِ اسم الإيمان، مع قوله جل وعلا ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾[النساء:93]، فأثبت له جهنم وعيدا، وغضب الله جل وعلا عليه واللعنة، ومع ذلك لم ينف عنه اسم الإيمان، فدل على أن وقوع الكبيرة من المسلم لا يسلب عنه الإيمان، ووقوع الذنب ليس مبيحا لإخراج هذا المذنب من أصل الإسلام إلى الكفر.
    ويدل على ذلك أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري وغيره حينما أوتي برجل من الصحابة يقال له حمار شرب الخمر فجلده، ثم شربها ثانية فأوتي به فجلده، ثم لما أوتي به الثالثة قال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به. فقال نبينا عليه الصلاة والسلام «لا تقولوا ذلك فإنه يحبّ الله ورسوله»، فدلّ على أن وجود المحبة الواجبة لله جل وعلا ولرسوله  مع حصول الكبيرة مانع من لعْنه، وهذا يعني أنها مانع من تكفيره ومن إخراجه من الدين من باب الأولى.
    كذلك قال الله جل وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾[الممتحنة:1]، فناداهم باسم الإيمان مع حصول الذنب منهم وهو الإلقاء بالمودة إلى عدو الله جل وعلا وعدو رسوله ، فدل على أن إلقاء المودة لأمر الدنيا ليس مخرجا من اسم الإيمان؛ بل يجتمع معه قال تعالى في آخر الآية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾[الممتحنة:1].
    وفي قصة حاطب بن أبي بلتعة في إسراره للكفار بخبر رسول الله  ما يدل على وقوع الذنب منه وعلى مغفرة الذنب له لأنه من أهل بدر، قال عليه الصلاة والسلام في حقه «لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» في الرواية الثانية «إن الله اطلع إلى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم».
    والأدلة على هذا الأصل عند أهل السنة والجماعة كثيرة.
    ومما يدل عليه من جهة النظر: أن الكبائر كالسرقة والزنا وشرب الخمر والقتل ونحو ذلك شُرعت لها الحدود، كذلك القذف شرعت لها الحدود والحدود مطهرة، والمرتد يقتل على كل حال، ووجود الحدود هذه دليل ظاهر على أنه ارتكب فعلا لم يخرجه من الملّة؛ لأن النبي  قال «من بدّل دينه فاقتلوه»، وقال «والتارك لدينه المفارق للجماعة» يعني ممن يحلّ دمه، فدل على أن وقوع هذه الذنوب من العبد تُطَهَّر بهذه الحدود وليست كفرا؛ لأنها لو كانت كفرا لكان يقتل ردة لقوله «من بدّل دينه فاقتلوه».
    ويدلّ عليه أيضا أنّ ولي الدم في القتل يعفو، فإذا عفا له السلطان إن شاء عفا وإن شاء أخذ، قال جل وعلا ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾[الإسراء:33]، قال ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وهذا يدلّ على أن الحق هنا للمخلوق، وأما الرّدة فهي حق لله يعني أما الردة فجزاؤها حق لله جل وعلا ليس لولي المقتول.
    فدلّت هذه الأدلة ودلّ غيرها على بطلان قول الخوارج وعلى ظهور قول أهل السنة والجماعة في هذه المسألة في أن صاحب الذنب من الكبائر العملية التي ذكرنا بعضا منها أنه لا يخرج من الإسلام بحصول الذنب منه؛ يعني بحصول ذنب منه أو بحصول كل ذنب أو بحصول أي ذنب منه؛ يعني ليس كل ذنب مخرجا له من ذلك؛ بل الكبائر العملية ليست كذلك يعني مخرجة له من الإسلام خلافا لقول الخوارج والمعتزلة في التخليد في النار.

    وأما الجملة الثانية وهي قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ.) فهذه أيضا فيها مخالفة للمرجئة الذين يقولون: لا يَضُرُّ مَعَ الإيمَانِ ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة. والأدلة دلت على أن الذنوب تؤثر في الإيمان قال جل وعلا في ذكر القاتل﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾[النساء:93]، وقال جل وعلا في الربا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾[البقرة:275]، وقال جل وعلا في المرابين ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾[البقرة:279]، وشرع الله جل وعلا الحد في السرقة ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾[المائدة:38]، وشرع الجلد في القذف وفي الزنا إلى آخر ذلك، وهذا يدل على أن هذه الأمور أثّرت في الإيمان، هذه الكبائر أثرت في الإيمان، والأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب كثيرة «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتَّاتٌ»، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَاطِعُ رَحِم» وهذا تأثير في الإيمان بسبب هذه الكبيرة.


    المسألة الثانية: هذه الجملة اشتملت على معتقد فيه النهي عن التكفير، والتكفير تكفير أهل القبلة بأي ذنب حرام، والخوض في مسائل التكفير بلا علم أيضا حرام، وقد يكون من كبائر الذنوب؛ بل هو من كبائر الذنوب وذلك لأوجه:
    الأول أن الإسلام والإيمان ثبت في حق الشخص -في حق المعين- بدليل شرعي، فدخل في الإسلام بدليل، فإخراجه منه بغير حجة من الله جل وعلا أو من رسوله  من القول على الله بلا علم ومن التعدي ومن تعدي حدود الله ومن التقدم بين يدي الله جل وعلا وبين يدي رسوله .
    وهذا فيه التحذير من هذا الأمر الجلل وهو مخالفة ما ثبت بدليل إلى الهوى أو إلى غير دليل، لهذا يقول العلماء: من ثبت إيمانه بدليل أو بيقين لم يزل عنه اسم الإيمان بمجرد شبهة عرضت أو تأويل تأوله؛ بل بد من حجة بينة لإخراجه من الإيمان، كما يقول ابن تيمية ولابد من إقامة حجة تقطع عنه المعذرة.
    الثاني من الأوجه في خبر التكفير وما تضمنته هذه الكلمة من معتقد أهل السنة والجماعة: أن التكفير خاض فيه الخوارج وهم أول الفئات التي خاضت في هذا الأمر، والصحابة رضوان الله عليهم أنكروا عليهم أبلغ الإنكار بل عدوهم رأس أهل الأهواء، وأول مسألة خاض فيها الخوارج وشددت التوسع في التكفير هي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ حيث احتجوا على علي  بأنه حكّم الرجال على كتاب الله كما حصلت واقعة في التحكيم بين أبي موسى الأشعري وبين عمرو بن العاص رضي الله عنهما فقالوا: حكّم الرجال على كتاب الله فهو كافر، فكفروا عليا  وأرضاه، استدلالا بقوله جل وعلا ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾[المائدة44]، فذهب إليهم ابن عباس يناظرهم منى احتج عليهم بقول الله جل وعلا ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾[النساء:35] الآية، فرجع ثلث الجيش وبقي طائفة منهم على ضلالهم وظهرت فرق كثيرة من الخوارج.

    فيدلك على قبح الخوض في هذه المسألة بلا علم أنها شعار أهل الأهواء؛ أعني الخوارج وهم أول فرقة خرجت في هذه الأمة وخالفت الجماعة، ولا شك أن التزام نهج أتقى أهل الأرض بعد رسول الله  هو المتعين.
    الوجه الثالث من أوجه بيان خطر التكفير والخوض فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» يعني إن كان كافرا فهو كما ادُّعي عليه وإلا عادت إلى الآخر وهذا وعيد شديد.
    وقد يكون التكفير مبعثه الهوى.
    وقد يكون مبعثه الجهل.
    وقد يكون مبعثه الغيرة.

    فهذه ثلاثة أسباب لمنشإ التكفير:

    قد يكون الهوى يعني التكفير بلا علم الهوى، وقد يكون منشؤه الجهل، وقد يكون منشؤه الغيرة.
    أما الأول والثاني فواضح يعني الهوى والجهل فواضح وأمثلة أهل الأهواء فيه كثيرة.
    وأما الثالث وهو أن التكفير قد يحمل المرء عليه الغيرة على الدين قصة عمر  مع حاطب ابن أبي بلتعة حيث لما حصل من حاطب ما حصل قال عمر لنبينا عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق. والحكم عليه بالنفاق حكم عليه بإبطانه للكفر، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يؤاخذ عمر  في ذلك لأنه من أهل بدر ولأنه قالها على جهة الغيرة وخطؤه مغفور له؛ لأنه من أهل الجنة؛ يعني لسبق كونه من أهل بدر، فدل هذا على أن الغيرة غير حجة شرعية في التوسع أو في ابتداء القول في هذه المسائل بلا علم أو في التكلم فيها، الغيرة ليست عذرا لهذا النبي  ما عذر عمر بالغيرة، وإنما عذر عمر  لاشتباه المقام أولا في حق حاطب، ثم لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما بيّن عذره يعني ما بين الرجل للنبي  عذره، فقال عمر لما أخذ بتلابيب حاطب، قال «أرسله يا عمر -أو دعه يا عمر-، يا حاطب: ما حملك على هذا؟» فلما استفصل منه رجع الأمر إلى الوضوح فيه.


    المسألة الثالثة:
    افترقت هذه الأمة في هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير إلى ثلاث طوائف، طائفتان ضلتا، وطائفة هي الوسط وهي التي على سبيل الجماعة، وهذه الطوائف الثلاث هي:
    الأولى:
    من كفّر بكل ذنب، وجعل الكبيرة مكفِّرة وموجبة للخلود في النار، وهؤلاء هم الخوارج والمعتزلة وطوائف من المتقدِّمين ومن أهل العصر أيضا ممن يشركهم في هذا الأصل والعياذ بالله.

    الطائفة الثانية:
    من قالت: إن المؤمن لا يمكن أن يخرج من الإيمان إلا بانتزاع التصديق منه القلبي وحصول التكذيب، وهؤلاء هم المرجئة وهم درجات وطوائف أيضا، وهذا مبني على أصلهم في أنّ الإيمان هو تصديق القلب فلا ينتفي الإيمان عندهم إلا بزوال ذلك التَّصديق، وهذا أيضا غلط؛ لأن لأدلة ربما تأتي إن شاء الله تعالى.

    والطائفة الثالثة:
    وهم الوسط الذين نهجوا ما دلت عليه الأدلة وأخذوا طريقة الأئمة التي اقتفوا فيها هدي الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، فقالوا: إن المِلِّيَّة والواحد من أهل القبلة قد يخرج من الدين بتبديله في الدين ومفارقته الجماعة بقولٍ أو عمل أو اعتقاد أو شك، وهذا هو الذي أورده الأئمة في باب حكم المرتد، وقالوا: إن هذا يدخل في تبديل الدّين الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام «من بدّل دينه فاقتلوه»، ويدخل في قول الله جل وعلا ﴿مَنْ [يَرْتَدَّ] مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾[المائدة:54] الآية آية البقرة ونحو ذلك، فدل ذلك على أن المؤمن المسلم قد يحصل منه ردة وهذه الردة لها شروطها ولها موانعها بتفصيل لهم في كتب الفقه في باب حكم المرتد.
    فعند أهل السنة والجماعة لا يُتساهل في أمر التكفير بل يُحذَّر منه ويُخوَّف منه وأيضا لا يمنعون تكفير المعين مطلقا؛ بل من أتى بقول كفري يخرجه من الملة أو فعل كفري يخرجه من الملة أو اعتقاد كفري يخرجه من الملة أو شك وارتياب يخرجه من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يحكم عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.



    المسألة الرابعة: دلّ القرآن والسنة على أن الناس ثلاثة أصناف لا رابع لهم، وهم:
     المؤمنون.
     الكفار.
     المنافقون.
    والمؤمن المسلم هو من دخل في الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأتى بلوازم ذلك.
    والكافر الأصلي قد يكون كتابيا وقد يكون مشركا وثنيا، فأهل الكتاب مثل اليهود والنصارى، قد يكون وثنيا مثل المجوس وعبدة الكواكب والأوثان ومشركي العرب وأشباه ذلك.

    والثالث من الأنواع التي في القرآن المنافقون، فالمنافق هو من يبطن الكفر ويُظهر الإسلام، فيُحكم بإسلامه ظاهرا كما فعل النبي  مع المنافقين، حتى إنه باعتبار الحكم الظاهر ورَّثهم وورث الصحابة من آبائهم المنافقين، وهم في الباطن كفّار أشد من اليهود والنصارى لقوله ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾[النساء:145]، فمن حصل منه ذنب ووقع في ذنب من الذنوب فإنه لا يخلو إما أن يكون من أهل الإيمان وإما أن يكون من أهل الكفر وإما أن يكون ممن أظهر الإسلام وأبطن الكفر، فمن كان من أهل الإيمان فإنه ليس كل ذنب يُخرجه من الإيمان، فلما شهد شهادة الحق بيقين وظهور فإنه لا يُخرجه منها إلا يقين مماثل لذلك مع إقامة الحجة ودرء الشبهة.

    وهذا التفصيل تنتفع به في مسائل تدل على هذا أو ذاك؛ يعني على أحد الأقسام.


    المسألة الخامسة:

    من أصول أهل السنة والجماعة في هذا الباب وما خالفوا به الخوارج والمعتزلة والمرجئة في باب الإيمان والتكفير: أنهم فرّقوا بين التكفير المطلق وما بين التّكفير المعين، أو ما بين تكفير المطلق من الناس دون تحديد وما بين تكفير المعيَّن، فأهل السنة والجماعة أصلهم أنهم يكفرون من كفره الله جل وعلا وكفره رسوله  من الطوائف أو من الأفراد، فيكفّرون اليهود ويكفرون النّصارى ويكفرون المجوس ويكفرون أهل الأوثان من الكفار الأصليين؛ لأنّ الله جل وعلا شهد بكفرهم، فنقول: اليهود كفار، والنصارى كفار، وأهل الشرك كفار يعني أهل الأوثان عباد الكواكب عباد النار عباد فلان إلى آخره هؤلاء كفار وهؤلاء كفار أصليون نزل القرآن بتكفيرهم، كذلك نقول بإطلاق القول في تكفير من حكم الله جل وعلا بكفره في القرآن، ممن أنكر شيئا في القرآن فنقول: من أنكر آية من القرآن أو حرفا فإنه يكفر، نقول من استحلّ الربا المجمع على تحريمه فإنه يكفر، من استحل الخمر فإنه يكفر، من بدّل شرع الله جل وعلا فإنه يكفر، من دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه يكفر وهكذا، فيطلقون القاعدة.
    وأما إذا جاء التشخيص على معين فإنهم يعتبرون هذا من باب الحكم على المعين فيرجعونه إلى من يصلح للقضاء أو الفتيا.
    فالأول وهو التكفير المطلق أو تكفير المطلق دون تحديد هذا مما يلزم المؤمن أن يتعلّمه ليسلم لأمر الله جل وعلا وأمر رسوله ، ويعتقد ما أمر الله جل وعلا به وما أخبر به، فإن تكفير من كفره الله جل وعلا بالنوع واجب والامتناع عن ذلك من الامتناع عن شرع الله جل وعلا.

    وأما المعين فإنهم لا يكفرونه إلا إذا اجتمعت الشروط وانتفت الموانع، وعند من تجتمع الشروط وتنتفي الموانع؟ عند من يحسن إثبات البيّنات ويحسن إثبات الشرط وانتفاء المانع وهو العالم بشرع الله الذي يصلح للقضاء أو للفتيا، فيحكم على كل معين بما يستحقه.
    فإذن من أصولهم التفريق ما بين الحكم على المعين وما بين القول المطلق.
    وهذا الأصل دلت عليه أدلة من فعل أئمة السلف ومن أقوالهم، فإن الإمام الشافعي مثلا حكم على قول حفص لما ناقشه بأنه كُفر ولم يحكم عليه بالردة، وكذلك من حكموا على من قال بخلق القرآن أو أن الله لا يُرى في الآخرة بأنه كافر لم يطبقوه في حق المعين، لهذا الإمام أحمد لما حكى أو قال بتكفير من قال بخلق القرآن لم يكفر عينا أمير المؤمنين في زمانه الذي دعا إلى ذلك؛ بل أمراء المؤمنين الثلاثة المأمون ثم المعتصم ثم الواثق حتى جاء عهد المتوكل، فاستدل منه أئمة الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية على أنّ إطلاق الكفر غير تعيين الكافر، ووجه ذلك ما ذكرته لك من أن التعيين يحتاج إلى أمور؛ لأنه إخراج من الدين والإخراج له شروطه وله موانعه.


    المسألة السادسة:

    نرجع إلى قول الطحاوي هنا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) أُخذ عليه على الطحاوي أنه قال (بِذَنْبٍ) وهذا يفيد أنه لا يكفر بأي ذنب، قال (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني أن أي ذنب لا يُكَفَّر به حتى يستحله، وهذا ليس هو معتقد أهل السنة والجماعة على هذا الإطلاق وإنما يعبرون بتعبير آخر وهو مراد الطحاوي يقولون: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بمجرّد ذنب، كما يقوله طائفة من أئمة الدعوة أو لا نكفر أحدا من أهل القبلة بكلّ ذنب كما يقوله أيضا طائفة من العلماء المتقدّمين ومنهم شارح الطحاوية تبعا لغيره.
    فإذن قول الطحاوي (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ) المقصود به الذنوب العملية من الكبائر كالخمر والزنا والسّرقة وقذف المحصنات والتولي يوم الزحف ونحو ذلك من كبائر الذنوب العملية التي كفر الخوارج بها، ويدل على هذا أن العقيدة مصنفة لبيان ما يخالف فيه أهل السنة أهل البدع والخوارج وما تميزت به الجماعة، ومعلوم أن الخوارج خالفوا في تكفير مرتكب الكبيرة مثل القتل والزنا وشرب الخمر والسرقة وأشباه ذلك، فخالفهم بهذا القول؛ يعني لا نكفر بهذه الذنوب (بِذَنْبٍ) يعني من الذنوب العملية التي كفّر بها الخوارج أو خلّد أصحابَها في النار المعتزلةُ ويدل عليه أنه قال بعدها (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) والاستحلال غالبه في الذّنوب العملية.


    المسألة السابعة:
    قوله (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) الاستحلال معه يكون مرتكب الكبيرة كافرا، والاستحلال هو اعتقاد كون هذا الفعل حلالا، قال ابن تيمية رحمه الله في كتابه الصارم المسلول على شاتم الرسول : والاستحلال أن يعتقد أن الله جعله حلالا أو أن الله لم يحرمه. فإن اعتقد أن هذا الشيء حلالا، أو أن الله لم يحرم هذا سواء كان حلالا على الأمة جميعا أو حلالا عليه هو، وسواء كان عدم التحريم على الجميع أو عليه هو -لأنها صورتان- فإن هذا هو الاستحلال، فإذن ضابط الاستحلال المكفر هو الاعتقاد وذلك أنّ( )... الخمر حلال فإنه جحد تحريمها، ويأتي الصلة ما بين الجحد والتكذيب والاستحلال في المسألة التي تليها إن شاء الله تعالى.
    فإذن ضابط الاستحلال المكفّر أن يعتقد كون هذا المحرم حلالا وله صورتان:
    أن يعتقد كونه حلالا له دون غيره، وهذه تسمى الامتناع.
    والصورة الثانية أن يعتقد كونه حلالا مطلقا له ولغيره، وهذه تسمى التكذيب أو الحجد المطلق.
    فالاستحلال المكفِّر هو الاستحلال بالاعتقاد، قال بعض أهل العلم: وأما ما جاء في حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري الذي في البخاري معلقا بل موصولا، وهو قوله عليه الصلاة والسلام «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر -يعني الزنا- والحرير والخمر والمعازف»، هل هذا الاستحلال من الاستحلال العملي أو الاستحلال المكفّر؟ قال طائفة -كما ذكرتُ لك وهو ظاهر-: أن هذا الاستحلال عملي وليس باعتقاد كون هذه الأشياء حلالا، فلم يُخرجهم من الإيمان إلى الكفر ولم يخرجهم من كونهم من هذه الأمة لقوله «ليكونن من أمتي» فجعلهم بعض هذه الأمة وهذا يُلْمِعُ إليه كلام ابن تيمية وكذلك للحافظ ابن حجر ولجماعة، وهو ظاهر في أن المدمن للذنوب يكون فعله فعل المستحل؛ لكن ليس اعتقاده اعتقاد المستحل، فقال «يستحلُّون» يعني يستحلون عملا لا اعتقادا لأجل ملازمتهم لها وإدمانهم لهذه الذنوب.
    فضابط الكفر في الاستحلال الذي ذكره هنا (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) يعني ما لم يعتقد أن الله لم يحرم هذا، أو أن الله أباح هذا، أو أن هذا الأمر حلال، أو ليس بحرام إلى آخره، وهذا القدر له ضابط أصلي عام، وهو أنّ الذي ينفع فيه ضابط الاستحلال هي الذنوب المجمع على تحريمها، المعلومة من الدين بالضرورة، أما إذا كان الذنب مختلَفا فيه إما في أصله أو في صورة من صوره فإنه لا يكفّر من اعتقد حِلّ هذا الأصل المختلف فيه يعني في أصله أو الصورة المختلف فيها.
    يوضح ذلك النبيذ الذي أباحه طائفة من التابعين من أهل الكوفة وأباحه طائفة من الحنفية أو من أباح ما أسكر كثيره ولم يسكر قليله فإن أهل العلم من أهل السنة لم يكفروا الحنفية الذين قالوا بهذا القول وكذلك لم يكفروا من قال به من أهل الكوفة أو غيرهم.
    وكذلك من لم يقل بتحريم ربا الفضل لأنه فيه اختلاف، وكذلك بعض صور الربا، وكذلك مسائل النظر إلى المحرمات يعني إلى الأجنبيات أو إلى الغينات ونحو ذلك.
    فإذا كان هناك أصل مجمع على تحريمه معلوم من الدين بالضرورة؛ يعني الضرورة ما لا يحتاج معه إلى الاستدلال فإننا نقول: من اعتقد إباحة هذا أو حله فإنه يكفر، مثل الخمر المعروفة في زمن النبي  التي تسكر من شربها؛ تخامر عقله، مثل السرقة، مثل الزنا والعياذ بالله، مثل نكاح ذوات المحارم إلى آخر هذه الصّور.
    المسألة الثامنة: مما له صلة بلفظ الاستحلال واشتبه على كثيرين أيضا الجحد والتكذيب، وطائفة من أهل العلم يجعلون التكذيب والجحد شيئا واحدا، وهذا ليس بجيد؛ بل هما شيئان مختلفان، قد يجتمعان وقد يفترقان، ويدل على ذلك قول الله جل وعلا في سورة الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[الأنعام:33]، فنفى عنهم التكذيب وأثبت لهم الجحد، فدل على أن التكذيب والجحد متغايران.

    فما صلتها بالاستحلال؟
    الاستحلال اعتقاد كون هذا الأمر حلالا يعني هذا المحرم حلالا.
    والجحد أن يرد الحكم بأنه حلالا أو أنه حرام، حجد وجوب الصلاة؛ يعني ردّ هذا الحكم، يعني قال: لا، الصلاة ليست واجبة، جحد حرمة الخمر قال: الخمر غير محرمة.
    فإذن الاستحلال وهو اعتقاد كون الشيء حلالا؛ الشيء محرم معه جحد قلبي؛ ولكن ليس معه جحد لساني قد يكون معه وقد لا يكون؛ لأن ظاهر آية الأنعام ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني في الباطن ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني في الظاهر.
    فالجحد قد يكون في الظاهر وقد يكون في الباطن. والتكذيب قد يكون في الباطن وقد يكون في الظاهر.
    والتكذيب هو عدم اعتقاد صدق الخبر أو الأمر أو النهي، ولهذا أرجع كثير من أهل العلم من أهل السنة أرجعوا أكثر مسائل التكفير إلى التكذيب، وذلك لأن التكذيب في أصله مناقض للتصديق الذي هو أصل الإيمان.
    والمرجئة ومن شابههم قصروا الكفر على التكذيب فضلوا، وأهل السنة والجماعة جعلوا الخروج من الإسلام والردة يكون بتكذيب ويكون بغيره كما ذكرتُ لك.
    فإذن من الكلمات التي لها صلة بالاستحلال وتلازم الاستحلال أيضا الجحد والتكذيب.
    ومن الكلمات أيضا التي لها صلة بالاستحلال الالتزام والامتناع، التزم وامتنع.
    ومن الكلمات القَبول والرد.
    وهذه تحتاج في بيانها إلى مزيد ضبط وسبق أن أوضحنا لكم بعض هذه المسائل.


    التاسعة:

    من أهل العلم من جعل التكفير في الاعتقادات أو جعله في المسائل العلمية، فقال: العملية لا نكفر فيها إلا بالاستحلال، وأما المسائل العلمية التي دخل فيها أهل الأهواء والبدع فإننا نكفر المخالف فيها.

    وهذا قال به بعض المنتسبين إلى السنة؛ ولكنه مخالف لقول أئمة أهل الإسلام وما تقرر من اعتقاد أهل السنة والجماعة، فإن الخطأ والاجتهاد والغلو ونحو ذلك يدخل في المسائل العلمية، فأهل البدع لا يكفَّرون بإطلاق، فليس كل من خالف الحق في المسائل العلمية يُعد كافرا بل قد يكون مذنبا، وقد يكون مخطئا وقد يكون متأولا، وهذه الثلاث حكم أهل السنة وأئمة الإسلام بأن هذه بدعة:
    قد تكون ذنبا يوصله إلى الكفر.
    وقد تكون ذنبا فيما دونه.
    وقد يكون سلك البدعة عن جهة الغلط منه والخطأ أو الجهل.
    وقد يكون تأول في ذلك.

    ويستدلون على هذا بقصة الرجل الذي أوصى إذا مات بأن يُحْرَقَ ثم يذر رفاته وقال: لئن قدر الله علي ليعذبني عذاب لم يعذبه أحدا من العالمين. فجمع الله جل وعلا رفاته وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: إنما فعلته خشية عذابك. أو كما جاء.
    ففعل هذا الفعل الذي أنشأه عنده الجهل أو عدم اعتقاد الحق في صفة من صفات الله جل وعلا وهي صفة تعلّق القدرة برفاته هو وبقدرة الله جل وعلا على بعثه، وعفا عنه رب العالمين لأجل عظم حسناته الماحية أو لجهله؛ لأنه قال فعلته من خشيتك أو خوفا من عذابك أو نحو ذلك، وهذا اعتقاد عظيم وهو حسنة عظيمة قابلت ذلك الاعتقاد السيئ، فدل على أن الاعتقادات البدعية والمخالفة للحق قد يعفى عن صاحبها.

    فإذن قول من قال أن أهل البدع والضلالات المخالفين في التوحيد أو في الصفات أنهم يكفَّرون إذا خالفوا ما دل عليه الكتاب والسنة فهذا قول وليس بصواب عند أئمة أهل السنة والجماعة؛ بل الصواب تقسيمه:
     فمنهم من يكون كافرا إذا قامت عليه الحجة الرسالية ودفعت عنه الشبهة وبين له.
     ومنهم من يكون مذنبا لأنه مقصر في البحث عن الحق.
     ومنهم من يكون مـتأولا.
     ومنهم يكون مخطئا ومنهم من له حسنات ماحية يمحو الله جل وعلا بها سيئاته.
    المسألة التي بعدها:


    المسألة العاشرة:

    أن التكفير يشترط في تكفير المعين يشترط فيه إقامة الحجة، وإقامة الحجة شرط في أمرين:
    الأول: في العذاب الأخروي؛ يعني في استحقاق العذاب الأخروي.
    والثاني: في استحقاق الحكم الدنيوي.
    والدليل على ذلك قول الله جل وعلا ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء:15]، وكذلك قوله ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ فشرط لتولية المشار ما تولى وجعل جهنم له وساءت مصيرا أن يكون تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين﴿وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115]، وكذلك قوله جل وعلا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾[التوبة:115]، وكذلك قوله جل وعلا ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾[الجاثية:23]، وكذلك قوله جل وعلا ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ(175)وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾[الأعراف:175-176]، هذه كلّها فيها اشتراط العلم وإقامة الحجة وكلّ رسول بعث لإقامة الحجة على العباد.

    إذا تبين هذا فإنّ إقامة الحجة تحتاج:
     إلى مقيم.
     وإلى صفة.
    أما المقيم: فهو العالم بمعنى الحجة، العالم بحال الشخص واعتقاده.
    وأما صفة الحجة: فهي أن تكون حجة رساليّة بيَّنة، قال جل وعلا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾[إبراهيم:4]، واشترط أهل العلم أن تكون الحجة رسالية؛ يعني أن تكون قول الله جل وعلا وقول رسوله ؛ يعني أما إن كانت عقلية وليس المأخذ العقلي من النص فإنّه لا يُكتفى به في إقامة الحجة؛ بل لابد أن تكون الحجة رسالية، لهذا يعبر ابن تيمية ويعبر ابن حزم وجمع بأن تكون الحجة رسالية؛ لأنها يرجع فيها من لم يأخذ بالحجة إلى ردّ ما جاء من الله جل وعلا ومن رسوله .
    وأما فهم الحجة فإنه لا يُشترط في الأصل، ومعنى عدم اشتراطه: أننا نقول ليس كل من كفرْ كفرَ عن عناد بل ربما كفر بعد إبلاغه الحجة وإيضاحها له؛ لأنه عنده مانع من هوى أو ضلال منعه من فهم الحجة، قال جل وعلا ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾( )، والآيات في هذا المعنى متعددة.


    أما ما معنى فهم الحجة؟ يعني أن يفهم وجه الاحتجاج بقوة هذه الحجة على شبهته، وعنده شبهة بعبادة غير الله، عنده شبهة في استحلاله لما حُرِّم مما أجمع على تحريمه؛ لكن يُبلَّغ بالحجة الواضحة بلسانه ليفهم معنى هذه الحجة، فإن بقي أنه لم يفهم كون هذه الحجة راجحة على حجته فإن هذا لا يشترط-يعني في الأصل-؛ لكن في بعض المسائل جعل عدم فهم الحجة يعني كون الحجة راجحة على ما عنده من الحجج جعل مانعا من التكفير كما في بعض مسائل الصفات.

    يعني أن أهل السنة والجماعة من حيث التقسيم اشترطوا إقامة الحجة ولم يشترطوا فهم الحجة في الأصل؛ لكن في مسائل اشترطوا فيها فهم الحجة وهذا الذي يعلمه من يقيم الحجة وهو العالم الرّاسخ في علمه الذي يعلم حدود ما أنزل الله جل وعلا على رسوله .


    المسألة الحادية عشرة:

    قوله (وَلَا نَقُولُ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ) هذا فيه مخالفة للمرجئة، والمرجئة جعلوا أصل الإيمان التصديق وجعلوا هذا التصديق لا يتأثر زيادة ولا نقصا، وإنما هو شيء واحد لذلك لم يجعلوا الإيمان يزيد وينقص، ولم يجعلوا التصديق أيضا واليقين يزيد وينقص بل جعلوه شيئا واحدا لهذا لم يجعلوا ذنبا يضر مع الإيمان، والمرجئة في هذا على درجات مختلفة، يأتي بيانُها إن شاء الله تعالى عند قول المؤلف (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ).


    المسألة الثانية عشرة والأخيرة:

    أن هاتين المسألتين وهما ما خالف أهل السنة الخوارج وما خالفوا فيه المرجئة فرع لأصل ومثال لقاعدة؛ وهي قاعدة الوَسَطية لأهل السنة والجماعة بين فرق الضلال، فهم وسط في باب الأسماء والأحكام؛ يعني في أبواب الإيمان والكفر ما بين الخوارج والمعتزلة الوعيدية وما بين المرجئة في قول أولئك وقول هؤلاء، فهم يحذِّرون من الذنوب ويتوعدون بها ويتوعدون بالكفر، ولكن لا يُخرجونه من الإيمان إلا بعد تمام الشروط وانتفاء الموانع.

    فهم -أعني أهل السنة والجماعة ثبَّتني الله وإياكم على طريقتهم- لهم في ذلك الطريق الوسط في هذا الباب وفي باب الأسماء والصفات، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي جميع أبواب الدين؛ بل وجميع أبواب الشَّريعة -يعني في أصولها- لهذا فالطَّريقة المثلى هي أن يكون المرء بين طرفي الغلو والجفاء، فالغلو مذموم بأنواعه والجفاء مذموم أيضا لأنه قصور عن أمر الله، والغلو أيضا مذموم لأنه زيادة على أمر الله جل وعلا، والحق فيما بينهما.

    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين، وأن يعلمنا ما يفعنا، وأن يزيدنا من الفقه في الدين، ومن متابعة سنة سيد المرسلين، وأن يغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا، وأن يشفي قلوبنا من الأدواء والأهواء، وأن يشفي أبداننا من الأمراض نحن وجميع أحبابنا إنه سبحانه كريم جواد كثير النوال، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


    [الأسئلة] نجيب على سؤالين ما يتعلق بالدرس.

    س1/ ما حكم الحكم بغير ما أنزل الله ؟
    ج/ مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ذكرها الشّارح ضمن الكلام في المسألة على اعتبار أنها ذنب من الذنوب، والكلام فيه هل يكفر أو لا يكفر؟ نقل فيها كلام ابن القيم رحمه الله، ولم أتطرق لها مع علمي بما ذكره الشارح لأنها مسألة طويلة الذيول تحتاج إلى بحث وتفصيل فيها، لعل لها مكانا آخر إن شاء الله تعالى.

    س2/ قول القائل: كان من المفترض أن يُحِلَّ الله هذا؟
    ج/ بعض الناس يستعمل هذه الكلمة وما يقصد ظاهر الكلام؛ لأن ظاهر الكلام بشع؛ لأنه يكون الشيء حرمه الله جل وعلا ويقول هو من المفترض أن يكون حلالا هذا اعتراض واعتقاد أو تثبيت أنه حلال.
    لكن بعض الناس يستعمل هذه العبارة من جهة رأيه وما عنده يقول في المسائل إذا تجادل اثنان أو أكثر يقول: من المفترض أنه يصير هذا مباح لعدم علمه لا لأجل مثلا، ما يقولها مثلا في الخمر من المفترض أن يكون الخمر حلال، وإنما في المسائل المشتبهة التي لا يعرف وجهتها.
    فإذن هذه الكلمة لابد فيها من التفصيل قالها في أي ذنب ولكنها من الكلمات الوخيمة.


    س3/ هل هناك فرق بين عدم فهم الحجة وعدم الاقتناع بالحجة؟
    ج/ نعم فيه فرق.
    س4/ هل يحكم على اليهودي المعين الذي مات على اليهودية أنه من أهل النار؟

    ج/ نعم يحكم على المعين الذي مات على اليهودية أو على النصرانية بأنه من أهل النار، وهذا لأنه كافر أصلي والنبي  لما زار اليهودي الغلام اليهودي وقال له «قل لا إله إلا الله» أو «قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله»، فجعل الغلام ينظر إلى أبيه ولم يقلها فقال له والده اليهودي: أطع أبا القاسم. فقال الغلام وكان يخدم النبي : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام «الحمد لله الذي أنقضه الله بي من النار»، وقال عليه الصلاة والسلام «والله لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أكبه الله في النار»، وقال أيضا كما في صحيح مسلم «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» وقال أيضا جل وعلا ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾[المائدة:72]، وهذا لا يدخل في قول أهل السنة والجماعة، ولا نشهد لا معين من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ، هذا في حق المعين من أهل القبلة، أما من مات على كفره من اليهود والنصارى أو مات ونحن نعلم أنه يهودي أو نصراني فهذا كافر يشهد عليه بأنه من أهل النار «حيث ما مررت بقبر كافر فبشره بالنار».


    س4/ هل من كفَّر بغير علم يصبح مرتدا فيقتل، أو أن عمله هذا يقتل به؟
    ج/ من كفر بغير علم:
     يلحقه الوعيد «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» هذا واحد.
     ويلحقه الوعيد في مشابهة الخوارج؛ لأن الخوارج كفروا بغير علم.
     ويلحقه الوعيد أيضا من جهة ثالثة وهو أنه تعدى على الدليل من القرآن والسنة؛ لأنه كما ذكرتُ لك في الأسباب أن إثبات الإيمان جاء بدليل، فنفي الإيمان عن المعين لابد فيه من دليل، فمن حكم بكفر أحد لهوى أو لقصور أو لغلو أو لقصور عنده في العلم فإنه تعدى ما أُذن له به إلى أمر إنما هو لأهل العلم، فهو يؤاخذ بذلك.
    كما ذكرتُ لك في قصة عمر  وهي قصة تحتج منك إلى اعتبار في أنه قد يطلق المرء التكفير من جهة الغيرة وقد يؤاخذ وقد لا يؤاخذ، والواجب على العبد أن يحترز من فلتات لسانه، يخاف أشد الخوف، فرُبّ كلمة قالها العبد لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار سبعين خريفا.
    ومن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم الذي قرره أئمة أهل السنة أن أهل العلم من أهل السنة يخطئون أو يضللون ولا يكفِّرون، يقول: هذا القول بدعة، هذا ضلال، هذا فسق، هذا خطأ، ونحو ذلك وقد يحكمون على المعين إذا كان الحاكم من الأئمة ومن العلماء ولكن لا يكفرون إلا ببينة ووضوح.
    وهذه المسائل مع الأسف شاعت عند الشباب في هذا العصر، وصاروا يتداولونها حتى في المجالس وهو يعلم من نفسه أن مسائل الطهارة ما يعرفها، وكثير من مسائل الصلاة ما يعرفها، ومسائل يمكن معاشرة الزوجية يجيء فيها بحكم الطبيعة أو بحكم حياته ما آلفه وإلى آخره، ما يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله في هذه المسائل، ومع ذلك تجد أنه يقتحم هذه المسألة العظيمة وهي مسألة التكفير، وإنما هي لأهل العلم.
    ذكرتُ لك أنّ لها قسمين:
    القسم الأول اعتقاد المسائل اعتقاد مسائل التكفير مثل ما ذكرتُ لك.
    والثاني التطبيق: التطبيق ليس إليك إنما هو لأهل العلم والقضاء والفتيا ونحو ذلك.
    أما الاعتقاد فهذا واجب أن تعتقد ما أمر الله جل وعلا به، أو ما أخبر به جل وعلا من إيمان المؤمن وكفر الكافر وكذا ما أخبر به عليه الصلاة والسلام.[/b]
    التعديل الأخير تم بواسطة الناقل ; 06-18-2007 الساعة 05:38 PM

  2. #2
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    333333
    المشاركات
    42
    ص319
    الدرس الثالث والثلاثون

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله حق حمده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
    أما بعد:
    [الأسئلة] نجيب على بعض الأسئلة: بودي لو الإخوة كتبوا الأسئلة في أوراق؛ لأن بقاء الأسئلة أيضا مفيد...
    س1/ هل عدم اشتراط فهم الحجة أن لا يفهموا مقصود الشارع؟
    ج/ ذكرنا لكم مرارا أن العلماء الذين نصوا على أن فهم الحجة ليس بشرط في صحة قيام الحجة بَنَوا على الدليل وهو قول الله جل وعلا ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾( ) فالله جل وعلا جعل على القلوب أكنة بأن لا يفهموه، فدلّ على أن الفهم والفقه -فقه الحجة- ليس بشرط؛ لأن إقامة الحجة في القرآن تلاوة القرآن عليهم وهم أهل اللّسان كاف في قيامها.
    فصار إذن الحال مشتمل على أن إقامة الحجة شرط، ومعنى إقامة الحجة أن تكون الحجة من الكتاب أو من السنة أو من الدليل العقلي الذي دل عليه القرآن أو السنة، وأن فهم اللسان العربي فهم معنى الحجة بلسان من أقيمت عليه هذا لابد منه؛ لأن المقصود من إقامة الحجة أن يفهم معاني هذه الكلمات، أن يفهم معنى الحديث، أن يفهم معنى الآية.
    وأما ما لا يشترط وهو فهم الحجة، فيراد به أن تكون هذه الحجة أرجح من الشبه التي عنده؛ لأن ضلال الضالين ليس كله عن عناد، وإنما بعضه ابتلاء من الله جل وعلا، وبعضه للإعراض، وبعضه لذنوب منهم ونحو ذلك.
    لهذا فإن فهم الحجة على قسمين:
    يراد بفهم الحجة فهم معاني الأدلة، هذا لابد منه، فلا يكتفي في إقامة الحجة على أعجمي لا يفهم اللغة العربية أن تتلى عليه آية باللغة العربية، وهو لا يفهم معناها، ويقال قد بلغه القرآن والله جل وعلا يقول ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾[الأنعام:19]، هذا ليس بكافٍ لابد أن تكون الحجة بلسان من أقيمت عليه ليفهم المعنى، قال سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾[إبراهيم:4].
    المعنى الثاني لفهم الحجة أن يفهم كون هذه الحجة أرجح من شبهته التي عنده، المشركون -كما قررنا لكم في شرح كشف الشبهات- عندهم علم وعندهم كتب وعندهم حجج كما أخبر الله جل وعلا في كتابه، فهم حجة الرسول عليه الصلاة والسلام، فهم القرآن، فهم حجة النبي عليه الصلاة والسلام العقلية التي أدلى بها عليهم بعد الوحي، هذه معناها أن يفهموا المعنى، إذا كانوا هم فهموا المعنى؛ لكن مثل ما يقول القائل ما اقتنع أن هذه الحجة أقوى من الشبهة التي عنده، فهذا ليس بشرط.
    فإذن ما يُشترط من فهم الحجة والقسم الأول؛ وهو فهم المعنى فهم دلالة الآية باللغة العربية ونحو ذلك، أما فهم الحجة بمعنى كون هذه الحجة أرجح بالمقصود وأدلّ على بطلان عبادة غير الله أو على بطلان الباطل، هذا ليس بشرط المهم يفهم معناها ودلالتها، ثم بعد ذلك الله جل وعلا يُضل من يشاء ويهدي من يشاء.
    س2/ يقول إذا كان الإمام أحمد رحمه الله أقام الحجة على أحمد بن أبي دؤاد والمعتصم، فلم لم يكفرا مع إصرارهما على البدعة؟ فإن كان لم يقم عليهما الحجة فلماذا لم يقم عليهما الحجة مع أنه في موقف يجب عليه إقامة الحجة؟
    ج/ هذا السؤال يحتاج إلى تفصيل، وتفصيله ينبني على فهم واقع فتنة خلق القرآن.
    وفي الجملة منهج أهل السنة وأهل العلم أنهم يجعلون هذه الفتنة فيها شبهة، فلم يكفروا بحصول الفتنة لا من جهة الوالي ولا من جهة من أجاب من المسلمين؛ لكن من أهل العلم من كفَّر ابن أبي دؤاد وكفر أمثالَه العلماءَ.
    لأن العالم يفهم حجة القرآن، وإذا كان بقيت عليه الشبهة في مثل هذا الأمر العظيم فإنه:
    • إما أن يكون مقصرا في البحث عن الحق.
    • وإما أن لا يكون.
    فإن كان مقصّرا في البحث عن الحق مع قربه منه فلا يلومن إلا نفسه، وهذا لا يمنع من الحكم عليه بالكفر عينا.
    وإذا كان غير مقصّر في البحث عن الحق؛ ولكن بقيت الشبهة عنده، فهذا لابد من أن تزال عنه الشبهة مع اختلاف المسائل في ذلك، لكن هذا الكلام بخصوص القول بخلق القرآن.
    فمن أهل العلم من كفر ابن أبي دؤاد ومنهم من لم يكفره عينا لأجل الشبهة التي عنده.
    كما ذكرنا لكم مسائل المعتزلة والخوارج في مثل مسألة خلق القرآن ونفي رؤية الله جل وعلا في الآخرة ونحو ذلك، فأئمة أهل السنة يكفرون بالنوع يكفرون بالمطلق يعني التكفير المطلق ولا يكفرون الأعيان إلا بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع، وهذه كما ذكرنا يقيمها من يصلح لإقامتها من أهل القضاء أو الفتيا.
    س3/ ذكرت أن منهج أهل السنة عدم الحكم على أحد بالتكفير إلا بعد إقامة الحجة وحكم العلماء عليه، كيف نجمع بينه وبين من يقول ويصف أن الأمة الإسلامية غائبة؟
    ج/ يعني كيف نجمع بين منهج أهل السنة ومنهج أهل البدع، ما يجمع بينهما كل له وجهة هو موليها ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾[البقرة:148].
    س4/ هل من فعل الذنب من الكبائر وجهر به وأصبح يتاجر فيه كالغناء، نقول: إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها ونحكم بردتهم عن الإسلام؟
    ج/ الكبائر لها حد -بمعنى لها تعريف- وذكرنا تعريفها عدة مرات ويأتينا إن شاء الله تعالى في موضعه من شرح الطحاوية بتفصيل.
    فالحكم على الغناء بأنه من الكبائر هذا فيه نظر؛ لأن الغناء التّغني بالصوت، التغني بالصوت قد يكون مشتملا على كلام قبيح كفر أو نفاق أو دونه من التشويق بالنساء أو باستباحة المحرمات أو نحو ذلك، وقد يكون الكلام لا يشتمل على ذلك، ثم هو قد يكون مصاحبا بمعازف وقد لا يكون مصاحبا بمعازف.
    فقول القائل أصبح يتاجر فيه كالغناء أن هذا من الكبائر لا، يختلف الحال فيه.
    لهذا من جهة إثبات الكبيرة لابد فيه من تفصيل الغناء كله كبيرة ليس بصحيح يعني بهذا الإطلاق، طالب العلم لابد أن يدقق في ألفاظه، إذا قال أحد الغناء من الكبائر، ليس صحيحا هذا الكلام، فلابد من التفصيل فيه وهذا يرتبط بتعريف الكبيرة.
    المسألة الثانية: المعازف من حيث هي والغناء المشتمل على المعازف لم يُجمع العلماء على تحريمه، فمن أهل العلم -وهم نوادر- من قالوا بإباحته، وجمهور أهل العلم كما دلت عليه الأدلة بالكتاب والسنة وهي كثيرة جدا قالوا بحرمة ذلك، وهذا هو الحق الواضح الذي لا يجوز العدول عنه؛ لكن معرفة خلاف طائفة من أهل العلم من فقهاء المدينة في زمن الإمام مالك ومن بعدهم مثل ابن حزم والسمعاني وطائفة من الناس من قالوا بإباحة السماع واستعمال المعازف فهو خلاف في المسألة ولا تكفير إلا بما أجمع العلماء على تحريمه.
    والمسألة إذا أجمع العلماء على تحريمها من قال بخلافها فالقول بخلافها كفر، ثم تكفير المعين يحتاج أيضا إلى بيان، المسائل التي أجمع العلماء على حرمتها المخالف فيها يختلف؛ لأن المسألة قد تكون من المسائل التي يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنها محرمة، مثل الخمر، مثل الزنا، الربا المتفق على تحريمه ونحو ذلك، هذا ما يحتاج ينشأ الناشئ بين المسلمين وهو يعلم أن هذه الأمور محرّمة باتفاق أهل العلم.
    لكن ثم مسائل خفية تحتاج إلى استدلال، ومثلا لو قيل إنّ المعازف مجمع على تحريمها فإن هذا الإجماع هم لم يجمع على تحريمها، لكن هذا الإجماع غير معروف لم يكن معروفا عند الناس، لو قال قائل ذلك أو يكون في بلد معروف نشأ الناشئ وأهل الفتوى في بلده على أن الغناء محرم فهنا لا يقال بالتكفير لأن هذا من( )... إلا بما أجمع عليه، ثم هنا ما أجمع أهل عليه على قسمين:
    منه ما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام يعني لا يحتاج فيه العالم إلى بيان الأدلة.
    ومنه ما فيه خفاء يحتاج فيه إلى بيان الأدلة.
    حتى غير المسائل هذه مثل مسائل السحر، السحر لاشك أنه من كبائر الذنوب؛ بل لا يكون السحر إلا بشرك بالله جل وعلا، لكن من أصناف السّحر ومن أحوال السّحرة ما قد يخفى في بعض الأزمنة، فيحتاج إلى بيان وإيضاح، فالمسألة في نفسها قد تكون في زمان مما يعلم بالاضطرار -يعني الدليل فيها لا يحتاج إلى إقامته-؛ لأن كل الناس يعلمون هذا، وقد يكون في زمان أو مكان يخفى الدليل على طائفة فيُحتاج في الحكم على المعيَّن إلى بيان، وإن كانت عند طائفة أخرى مما يُعلم بالاضطرار.
    العلماء يذكرون مثال ذلك مثلا من قال الزنا غير محرم وهو من نشأ ببادية بعيدة عن دار الإسلام، ومثله يجهل، واحد أسلم وعايش مثل ما حصل في زماننا الحاضر في بعض من يسكنون في بعض الأماكن يفعل الفاعل الزنا وما يعلم أنه حرام مع أن حرمة الزنا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام.
    المقصود من هذا أن المسائل التي يقال فيها هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، نعني بها ما لا يحتاج معه إلى إقامة دليل؛ يعني ينشأ الناشئ وهو يعرف هذا ولا يعرف غيره من دين الإسلام، هذه المسائل تختلف باختلاف الزمان والمكان فلهذا يحتاج من يريد بحث هذه المسائل إلى استفصال.
    آخر السؤال يقول: نقول إنهم لا يؤمنون بتحريمها واستخفوا بها فنحكم بردتهم عن الإسلام.
    ليس كذلك من فعل الكبيرة مستخِفّا بها لا يعني ذلك أنه مرتد؛ بل الذين يفعلون الكبائر منهم من يفعل الكبيرة لشهوة غلبت عليه، شهوة طارئة، هو مؤمن صالح لكن غلب عليه أمر فأخذ مالا من غير حله، سرق لشهوة غلبت عليه ثم رجع، هذا نقول فيه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، أو رأى مرأة أو خلا بمرأة ثم فعل معها الكبيرة عن غلبة شهوة، هذا لا يخرجه ما فعل عن كونه مؤمنا إذا تاب وأناب، فغلبة الشهوة تبقي اسم الإيمان إذا تاب وأناب.
    الحال الثانية فعل الكبيرة الذي يخرج معه المؤمن من الإيمان إلى الإسلام وهو إذا استخف بالكبيرة يعني تهاون بها وهو يعلم أنها كبيرة ويعلم أنه عاصي، أقام عليها واستمر على فعل الكبيرة فهذا يخرج من اسم الإيمان إلى اسم الإسلام؛ لأن الإيمان الحق -الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر- الإيمان الحق بهذه الإيمان الكامل لا يجتمع مع صاحبه في مداومة الكبائر، وفي هذا يروى الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند أن العبد إذا فعل المعصية ارتفع عنه الإيمان فصار على رأسه كالظلة فإذا تركه عاد إليه، وهذا الحديث في إسناده ضعف؛ لكن يستدل به أهل العلم على أصلهم من أن المؤمن حال مواقعته للكبيرة التي كانت عن غلبة شهوة لا استمرار واستخفاف فإنه يبقى عليه اسم الإيمان؛ لكن ينتزع منه ما دام فاعلا لهذا المنكر، فإذا ترك هذه الكبيرة وأناب إلى الله جل وعلا، رجع فيقال مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته لكن المصر على الربا المصر على الزنا المصر على شرب الخمر لا يخرجه أهل السنة من اسم الإسلام ويجعلونه مرتدا، وكذلك أصحاب المعازف والغناء المحرم وبيع مثل هذه وآلات اللهو ونحو ذلك إذا كان ممارسا لها وهو يعتقد حرمة ذلك فيما أجمع عليه فإنه يخرج من الإيمان إذا كان مداوما عليها إلى الإسلام؛ لأن الإسلام هو العمل الظاهر إذا كان جاء بأمور الإسلام.
    وهذه فيها مزيد تفاصيل تأتي في وضعها إن شاء الله في شرح الطحاوية.
    س5/ كم النصاب الواجب في زكاة الريالات السعودية؟
    ج/ نصاب الزكاة في الذهب والفضة جاء في السنة واضحا، وفي الذهب النصاب عشرين مثقال من الذهب والفضة مائتي درهم من الفضة، لما كان في الزمن المتأخر هنا مثلا في المملكة كان الناس يستعملون ريالات فضة، ريالات الفضة هذه وجنيه الذهب، ريالات الفضة كم تقابل من الدراهم الفضة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟ وكذلك الذهب كم يقابل من المثاقيل؟ فجعلوا الريال العربي الذي تجب فيه الزكاة طبعا بالوزن بالمقابلة جعلوه ستة وخمسين ريالا فضة عربي، وبالنسبة للجنيه جنيه الذهب المعروف جعلوه أحد عشرة جنيها وثلاثة أسباع الجنيه، طبعا هذا يختلف باختلاف الذهب أو الفضة من حيث الصفاء والغش؛ يعني أنّ مثقال الذهب هل هو صافي أو مغشوش الفضة هل هي صافية أو مغشوشة، فيختلف النصاب باختلاف الغش الذي فيه.
    إذا قلنا مثلا أن النصاب الآن للخالص خمسة وثمانين غرام ذهب، الذهب الخالص النصاب الزكوي فيه خمسة وثمانين غرام، خمسة وثمانين غرام هذه للخالص؛ يعني الذي هو الحد للعشرين مثقال الخالص منها خمسة وثمانين غرام؛ لكن هو الآن جنيهات الذهب هذه ليست خالصة داخلها شيء، لذلك تجد أن المشايخ يعني أهل الإفتاء يقولون النصاب اثنان وتسعين غرام، ليش بعضهم يقول خمسة وثمانين والآخر يقول اثنين وتسعين؟ من قال خمسة وثمانين باعتبار الأصل يعني شيء نظري المطلق بدون الوجود، اثنين وتسعين على اعتبار واحد وعشرين غرام، إذا صار الذهب عيار ثمانية عشرة تزيد النسبة، يمكن خمسة وتسعين ستة وتسعين يمكن تدركها بالحساب، إذا كان الذهب أربعة عشرة عيار أربعة عشرة يزيد النصاب يصير مائة أو مائة وخمسة بالحساب يمكن تحسبها وهكذا.
    لما جاء تحويل الريالات من الريالات عربي فضة إلى الريال السعودي أول الأمر كان الريال السعودي الورق يقابل الريال فضة تماما هذا يقبل هذا، ولهذا كان يكتب عليه أول ما صدر أن مؤسسة النقد تتعهد لحامل هذا السند بدفع ريال عربي واحد يعني فضة، صار أول ما جاء النصاب ستة وخمسين ريال ورق مثل ستة وخمسين ريال فضة لأن هذا وهذا واحد.
    بعد ذلك صارت التغطية وأمور المال مختلفة فصار هناك انفصال ما بين الريال الورقي وريال الفضة، هذا الانفصال جعل النصاب الزكوي يختلف فيصبح الأمر راجعا إلى تقويم الريال العربي الفضة بما يعادله من الريالات، فيُبحث ستة وخمسين ريال فضة إيش يعادلها من الريالات الورق هذا يختلف باختلاف يعني مثلا في سنة قد يكون أقل قد يكون أكثر قد يكون ثلاثمائة ريال أربعة مائة ريال يعني الآن بحسب سعر الريال، الفضة.
    نعم اقرأ...
    
     نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.
    وَالْأَمْنُ وَالْإِيَاسُ يَنْقُلَانِ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، وَسَبِيل الْحَقِّ بَيْنَهُمَا لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ.
    وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.
    [الشرح]
    قال العلامة الطحاوي رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَنَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهِمْ، وَنَخَافُ عَلَيْهِمْ، وَلَا نُقَنِّطُهُمْ.) هذه الجملة فيها بيان لما يجب على المرء المؤمن أن يعامل به نفسه وأن يعامل به غيره من إخوانه المؤمنين، فمع النفس أهل السنة والجماعة يرجون للمحسن ويخافون على المسيء، هذا أصلهم مخالفين أهل التّقنيط وهم أهل الإفراط، وأهل الأمن وهم أهل التفريط.
    وأصل هذا عندهم أن المؤمن وعده الله جل وعلا بموعدة لن يُخلفه إياها؛ لأن وعد الله جل وعلا كان مفعولا ولأن وعد الله جل وعلا كان مسؤولا سبحانه وتعالى، الله جل وعلا وعد المؤمن الذي مات على الإخلاص بأن يعفو عنه وأن يدخله الجنة برحمته ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾[الأعراف:56]، وكذلك الله جل وعلا توعد من عصاه وتوعد من خالف أمره واتبع هواه، ووعيده قد ينفذ جل وعلا ويقع بمن توعده سبحانه وتعالى، فلذلك لأجل وعيد الله جل وعلا فإن من فعل ذنبا ومعصية فإنه يُخاف عليه ولا يؤمن جانبه أن يكون ممن دخلوا في الوعيد وعاقبهم الله جل وعلا.
    فأهل الإيمان:
    • منهم المحسن.
    • ومنهم المسيء.
    • ومنهم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، هذا يغلبه تارة وهذا يغلبه تارة.
    فالمحسن المسدد نرجو أن يدخله الجنة ربُّه جل وعلا برحمته.
    والمسيء نخاف عليه أن يؤخذ بجريرته ونستغفر له ولا نقنطه من رحمة الله لكن نفتح له باب التوبة وباب الرجاء.
    هذه الجملة مبنية على أصل خالف فيه أهل السنة والجماعة المعتزلة والخوارج وطائفة من غلاة الصوفية في هذه المسائل، حيث إن أهل السنة أصّلوا ما جاءت به الأدلة من أن وعد الله جل وعلا مسؤول ومفعول، وربنا جل وعلا لا يُخلف الميعاد، وأن وعيدَه سبحانه وتعالى قد يدرك العبد وقد يتخلف، وذلك لأسباب يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
    فالمقصود من هذه الجملة أن أهل السنة والجماعة يُعملون الوعد فيرجون للمحسن، ويعملون الوعيد بأنه قد يتحقق ويخافون على المسيء، ولا يفتحون باب الوعد دون نظر في الإساءة كحال المرجئة والصوفية وطوائف ولا يُعملون حال الوعيد ويقولون بإنفاذه قطعا وأنه لا يتخلف كحال الخوارج والمعتزلة.
    إذا تبين هذا من حيث الإجمال ففي المقام تفصيل نذكره في مسائل:
    الأولى: أن الرجاء للمحسن للعفو وعدم الأمن والاستغفار للمسيء والخوف عليه، هذا عقيدة يتعامل بها المرء مع نفسه وكذلك مع المؤمنين، فمع نفسه تصرُّه حسنته وتسوؤه سيئته، ويرجو لنفسه إذا أحسن، ويأمن ويطمع في أن يدخله الله الجنة برحمته لا بعمله، ولا يأمن على نفسه أن يقلب الله جل وعلا قلبه، وكذلك لا ينظر إلى نفسه بعمل صالح عمله أنه استوجب به الجنة، فدائما ينظر إلى نفسه ما بين إحسانها بان يطمع بثواب الله ورحمته وإذا أساءت فإنه يخاف ولا يقنط من رحمة الله جل وعلا، هذا مع نفسه.
    وكذلك مع المؤمنين فإنه ينظر إليهم بهذا الأصل، فمن مات على الإيمان فإنه يرجو أن يعفو الله جل وعلا عنهم وأن يدخلهم الله الجنة برحمته، ومن مات من أهل الإساءة فإنه يستغفر للمسيء ويخاف عليه ولا يُقَنِّط من أساء من الأحياء وكذلك لا يقنّط نفسه في من أساء من أن يعفو عن من مات.
    المسألة الثانية: الرجاء للمحسن من المؤمنين بالعفو هذا يشمل كل أحد حتى من لم يعرف لنفسه ذنبا، وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام للصديق أبي بكر  بأن يدعو في آخر صلاته «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم» فقول أبي بكر «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا» هذا تبع لهذا الأصل، وهو أن المحسن من المؤمنين حتى صاحب المقامات العالية الصديق  يرجو أن يعفو الله عنه وأن يدخله الجنة برحمته ولا يأمن، كذلك من دونه من المؤمنين من أهل الاقتصاد وعدم السبق بالخيرات كذلك لابد أن يرجو لنفسه ولا يأمن، ويظن أنه محتاج إلى العفو يعني يعتقد أنه محتاج إلى عفو الله جل وعلا وإلى رحمته.
    المسألة الثالثة: الجمع ما بين الرجاء للمحسن والاستغفار للمسيء هذا تبع لأصل عظيم وهو الجمع في العبادة ما بين الخوف والرجاء، فالمأمور به شرعا أن يجمع العبد ما بين خوفه من الله جل وعلا وما بين رجائه في الله جل وعلا، والخوف عبادة والرجاء عبادة، والخوف المحمود هو الذي يحمل على طاعة الله جل وعلا بفعل أمره وترك المحرمات، هذا هو الخوف المحمود، وهو المذكور هنا في قوله (نَخَافُ عَلَيْهِمْ)، والخوف المذموم هو الذي يصل إلى القنوط من رحمة الله جل وعلا ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾[الحجر:56].
    الخوف من الله جل وعلا عبادة مستقلة:
    تحمل على فعل الأمر واجتناب النهي هذا أولا.
    وثانيا تحمل على عدم رؤية العمل الصالح يعني رؤية أثره، وكذلك وعدم رؤية العمل السيئ في أنه موقع صاحبه وأنه مهلك له.
    والله جل وعلا مدح عباده الذين يخافونه في كتابه في مواضع كثيرة، كقول الله جل وعلا في وصف الملائكة ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[النحل:50]، وأمر الله جل وعلا بالخوف في قوله ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:175]، وقال جل وعلا ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾[الزمر:16]، وذكر خاصة عباده بالخوف من المرسلين فقال سبحانه ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾[الأنبياء:90]، فأصل الخوف من الله جل وعلا عبادة عظيمة لا تستقيم العبادة إلا بها ولا يستقيم الإيمان إلا بالخوف، فمن لم يكن عنه خوف أصلا من الله جل وعلا فليس بمؤمن لأنه يكون آمنا والأمن ينقل عن ملة الإسلام يعني الأمن التام بعدم وجود الخوف أصلا من الله جل وعلا.
    الثاني الرجاء والرجاء أمل يحدو الإنسان في أن يتحقق له ما يريد، قال طائفة من العلماء نقله الشارح عندكم: إن الرجاء لا يكون إلا باجتماع أشياء:
    الأول المحبة لما رجاه، وهو يرجو أن يدخل الجنة فلابد أن يحب أن يدخل الجنة.
    الثاني الخوف وهو أن يخاف مما يقطع عليه أمله، يخاف من الذنوب، يخاف من الكفر، يخاف من النفاق أن يقطع عليه أمله في دخول الجنة.
    والثالث أن يعمل الأعمال الصالحة التي تكون سببا فيما رجا، فمن ترك تقديم الأسباب وفعل الأسباب فلا يكون راجيا.
    قالوا: والفرق ما بين الرجاء والأماني أن الرجاء يكون معه خوف وعمل، والأماني إنما هي طمع ليس معها خوف ولا تعرف الأسباب.
    والمطلوب شرعا من العبد المؤمن فيما يراه في نفسه ولإخوانه المؤمنين أن يكون راجيا، وليس بذي أماني، قال الله جل وعلا ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء:123].
    فإذن دلّ هذا الكلام من الطحاوي على الأصل الشرعي وهو أن العبد ينظر إلى نفسه في عبادته وفي أثر عبادته إلى أنه يجمع ما بين الخوف والرجاء، وكذلك في نظره إلى إخوانه المؤمنين.
    المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الخوف والرجاء هل يجب تساويهما أم يرجح أحدهما على الآخر على أقوال:
    القول الأول: أن يُغلّب جانب الخوف مطلقا.
    والقول الثاني: أن يُغلَّب جانب الرجاء مطلقا.
    والقول الثالث: أن يستوي عند العبد الخوف والرجاء.
    والقول الرابع: التفصيل، ومعنى التفصيل أنّ الخوف قد يُغَلَّب في حال، وقد يُغلّب الرجاء في حال، وقد يطلب تساويهما في حال، فيغلب الخوف على الرجاء في حال أكثر المؤمنين؛ لأن أكثر أهل الإيمان عندهم ذنوب فيغلبون حال الخوف في حال الصحة والسلامة؛ لأنهم لا يخلون من ذنب والخوف يحملهم على ملازمة الطاعة وعلى ترك الذنب، والرجاء يُغَلَّب في حال المرض لقوله عليه الصلاة والسلام «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه» جل وعلا وللحديث أيضا الآخر الذي رواه البخاري وغيره «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء»، فدل هذا على أن رجاء العبد مطلوب وإذا كان في حال المرض المخوف أو في أي مرض كان فيه فإنه يغلِّب جانب الرجاء على الخوف، وفي حال يستوي فيه الرجاء والخوف، وهو في حال التعبّد إذا أراد العبادة ودخل في العبادة، فإنه يخاف الله جل وعلا يرجو ربه جل وعلا، يخاف الذنب يخاف العقاب ويرجو الثواب.
    فهذا القول الأخير هو الصحيح وهو الذي عليه أهل التحقيق.
    ومن قال من أهل العلم إنه يغلّب جانب الخوف مطلقا نظر إلى أن حال أكثر المنتسبين حالهم على ذنب وعلى قصور فتغليب جانب الخوف في حقهم يردهم إلى الحق.
    ومن قال يغلّب جانب الرجاء دائما عمم قوله عليه الصلاة والسلام «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء».
    ومن قال بالاستواء دائما نظر إلى قول الله جل وعلا ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾[الأنبياء:90]، وكذلك قوله جل وعلا ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾[الإسراء:57].
    والتفصيل هو الصحيح لأن الأحوال تختلف باختلاف المقامات والناس.
    المسألة الخامسة: قوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) قوله (لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) هذا على مورد التقسيم من أن أهل الإيمان منهم المحسن ومنهم المسيء، وليس شرطا في رجاء العبد أن يكون من أهل الإحسان، وإنما المؤمن إما أن يكون محسنا وإما أن يكون مسيئا، والمحسن هو من كان من المقتصدين أو من السابقين بالخيرات؛ لأن أهل الإيمان ثلاث مراتب: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات كما دلت عليهم آية فاطر ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[فاطر:32].
    والمحسن من المؤمنين أو المسيء من المؤمنين نرجو أن يعفو الله جل وعلا عنهم ونخاف على المسيء منهم، والعفو عفو الرحمن جل وعلا عن العبد وعدم مؤاخذته بفعله هذا قد يكون منة وتكرما منه جل وعلا في غير الشرك به سبحانه وتعالى، وقد يكون بسبب، فأما ما كان منه منة وتكرما جل وعلا معنى منة يمن على من يشاء يعني ابتداء منه سبحانه وتعالى بدون أن يفعل العبد سببا يحصّل به ذلك، والله جل علا وعد بل توعد أن لا يغفر الشرك به فقال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾( ) فما دون الشرك يغفره سبحانه لمن يشاء منة وتكرما منه جل وعلا، وأما ما كان بسبب فالعلماء نظروا فيما جاء فيه الدليل في الكتاب والسنة في الأسباب التي تكون رافعة لأثر الذّنب؛ لأن الذنب إذا وقع من العبد فلابد من حصول الجزاء عليه، قال جل وعلا ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾[النساء:123]، ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين مشقة عظيمة، فعرف ذلك منهم عليه الصلاة والسلام فخرج عليهم وقال «سددوا وقاربوا فما يصيب المسلم» أو كما جاء في الحديث «فما يصيب المسلم من مصيبة كانت كفارة له حتى في النكبة ينكبها وحتى الشوكة يشاكها» رواه مسلم في الصحيح، فقوله عليه الصلاة والسلام «من يعمل سوءا يجزى به» دل على أن هناك ما يكفر الله به هذا السوء الذي حصل من العبد وأنه لا يجازى به بل ترفع يرفع الجزاء بسبب من الأسباب، وقال سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾[الشورى:30]، يعني ما أصاب العبد من مصيبة في دنياه فهو بسبب ذنب عمله فتكون كفارة له ويعفو الله جل وعلا عن كثير من الذنوب التي حصلت من العبد.
    إذا تبين ذلك، فالأسباب هذه التي يكفِّر الله جل وعلا بها الخطايا أو يمحو بها أثر السيئات ويرفع بها أثر الإساءة على ثلاثة أقسام:
    القسم الأول: أسباب يفعلها العبد.
    والقسم الثاني: أسباب من المؤمنين للواحد منهم.
    والثالث: أسباب من الله جل وعلا ابتداء منه سبحانه وتعالى.
    القسم الأول وهو ما يمحو الله جل وعلا به أثر الذنوب والسيئات من فعل العبد هذا ثلاثة أنواع:
    النوع الأول: التوبة والتوبة مأمور بها إجمالا وتفصيلا قال جل وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾[التحريم:8]، هذا إجمالا، كل مؤمن حتى الصالح حتى الأنبياء مأمورون بالتوبة، كان عليه الصلاة والسلام يقول «إني يلغان على قلبي وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة» وكان يحسب له عليه الصلاة والسلام في المجلس الواحد يتوب إلى جل وعلا مائة مرة، وقال سبحانه ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور:31]، فالتوبة مأمور بها سواء كان العبد مسددا أو كان دون ذلك.
    فأعظم الأسباب التي يفعلها العبد لمحو السيئات عنه التوبة فمن فعل سيئة مهما كانت حتى الكفر والشرك فإن الله جل وعلا يمحو أثره بالتوبة إليه سبحانه وتعالى، قال جل وعلا بعد أن ذكر أصناف الكبائر في سورة الفرقان ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا(70)وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾[الفرقان:70-71].
    والتوبة معناها ضابط التوبة تاب بمعنى رجع، هناك ثلاثة ألفاظ متقاربة لكن المعنى يختلف بدقة: آب تاب ثاب، وتشترك في الأصل من أنها فيها رجوع آب يعني رجع آيبون تائبون تشمل هذه وهذه، فآب رجع، أو أواب كثير الرجوع، تواب أيضا كثير الرجوع؛ لكن تواب أو تاب من شيء سيئ فعله، وأما آب فهو رجوع مطلق سواء مما يسوء أو مما لا يسوء، وتاب مختص أيضا برجوع خاص.
    إذن التوبة رجوع، رجوع إلى الله جل وعلا بطلب محو تلك السيئات، فإذن هي توبة ورجوع إلى الله جل وعلا بطلب محو السيئات، هذا هو السبب الأول، وهي أعظم الأسباب قال جل وعلا ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾[الزمر:53]، أجمع العلماء على أن هذه الآية نزلت في التائبين ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يعني لمن تاب. طبعا التوبة تفصيل الكلام عليها وشروطها إلى آخره يطلب من موضعه.
    السبب الثاني مما يفعله العبد ويمحو الله جل وعلا به أثر الذنب الاستغفار، والاستغفار هو طلب المغفرة، والمغفرة معناها ستر أثر الذنب؛ لأن الذنب إذا وقع من العبد فلابد أن يوجد أثر ذلك الذنب، وهو إما أن يكون العقوبة عليه؛ يعني أن يعاقب العبد على ذنبه في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة، وإما أن تقع عليه مصيبة يكفر الله بها العبد ذنبه، وإما أن يخزى بذنبه لهم في الدنيا خزي والعياذ بالله -اللهم إنا نعوذ بك من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة-، الخزي يقع بسبب الذنوب.
    فإذن الذنب إذا وقع من العبد فله أثره الكوني وأثره الشرعي الذي يحصل ولا بد؛ إلا إن عفا الله جل وعلا منة منه وتكرما.
    إذا استغفر العبد طلب غفر الذنب، طلب أن يستر هذا الذنب، فلا يخزى به وأن يستر أثر الذنب فلا يؤاخذ به، وهذا قرين التوبة، لهذا جاء في عدة آيات اقتران التوبة والاستغفار؛ لأن الاستغفار مثل التوبة في الأمر بها والحض عليها، قال جل وعلا ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾[نوح:10]، وقال جل وعلا ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ(1)أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(2)وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾[هود:1-3]، الاستغفار صار قبل التوبة من جهة أنه طلب مباشرة طلب أن يمحى الذنب؛ لأن أثر الذنب لو أخرت طلب المغفرة فقد يقع الأثر سريعا ثم توبوا إليه يعني أن التوبة تكون بعد الاستغفار من الذنب، ولهذا النبي  كان يقدم طلب المغفرة على طلب التوبة فقال «ربي اغفر لي وتُبْ علي»، «أستغفر الله وأتوب إليه».
    التوبة والاستغفار نظر فيها بعض العلماء وذكرها الشارح عندكم تبع لابن تيمية بأن التوبة والاستغفار من الألفاظ التي إذا اجتمعت تفرقت وإذا تفرقت اجتمعت، اجتمعت تفرقت أن التوبة على ما ذكرت لك من تعريفها والاستغفار على ما ذكرت لك من تعريفه على أن الاستغفار طلب ستر الذنب، والتوبة هي طلب محو الذنب رجوع في طلب محو الذنب، إذا تفرقت فالمستغفر تائب والتائب مستغفر.
    السبب الثالث من العبد الحسنات التي تمحو السيئات، والله جل وعلا قال ﴿وَأَقِمْ الصَّلَاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾[هود:114]، وقال عليه الصلاة والسلام «وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» فالحسنة تمحو السيئة ففعل الحسنات يمحو الله جل وعلا به السيئات؛ لكن هل كل حسنة يمحو الله جل وعلا بها كل سيئة؟ الجواب ليس كذلك؛ بل السيئة لها ما يقابلها من الحسنات التي تختص بها، والسيئات أيضا منها ما يبطل الحسنات التي تقابلها.
    الأول مثل أن الأعمال السيئة الكبيرة مثل الإفساد في الأرض بالشرك بالله جل وعلا أو بقتل النفوس هذه ذنوب عظام يكفرها الجهاد في سبيل الله جل وعلا، كما قال سبحانه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(10)تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾[الصف:10-11] الآية.
    الكبائر لها ما يقابلها فإذا كانت الكبيرة بالسرقة وأخذ المال من غير حله وبالربا ونحو ذلك فيقابلها من الكفارات الصدقة، إذا كان كبائر الذنوب من جهة أعمال البدن فيقابلها الصيام والصلاة ونحو ذلك، إذا كانت من جهة المال يقابلها الزكاة والصدقات وأشباه ذلك.
    فإذن الحسنات من حيث الجنس يمحو الله بها السيئات والسيئات قد يفعل الله سيئة تبطل معها حسنة كان يعملها، ويستدل لذلك لما رُوي بأن زيد بن أرقم تعامل بالعينة أو باع شيئا بأجل باع فرسا له بأجل بثمانمائة درهم ثم اشتراه ممن باعه عليه بست مائة فربح هذا الفرق، فلما بلغ عائشة ذلك قالت أعلموا زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله ، وهذا اجتهاد من عائشة رضي الله عنها، الحديث فيه ضعف معروف يعني إسناده لا يصح لكن استدل به بعض أهل العلم مثل ابن تيمية ووجهه بأن هذا الفعل وهو حصول الربا مقابل للجهاد فوقوع التبايع بالعينة هذه قابلت بها عائشة فعل الجهاد، ولهذا جاء في الحديث اقتران ترك الجهاد بالتبايع بالعينة، جاء فيما صح عنه عليه الصلاة والسلام الحديث الذي في السنن وفي غيرها «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر وتركتم الجهاد» فقرن بين هذا وهذا فهذا الأصل يدل على أن الحسنات مكفرات للسيئات، وعلى أن بعض السيئات قد تبطل بعض الحسنات؛ يعني تكون في مقابلتها من جهة عظم السيئة حتى أنها تبطل أو في معنى تبطل يعني في الميزان تكون مقابلة لها في عظم الذنب تلك حسنة كبيرة وهذا ذنب عظيم فتكون هذه مقابلة لهذه إذا وضعت في الميزان.
    الحسنات يكفِّر الله جل وعلا بها السيئات مثل ما ذكرنا في الآيات هذه أفعال العبد.
    القسم الثاني ما يفعله العباد يعني ما يفعله المؤمنون لإخوانهم يكفر الله جل وعلا به السيئات، وهذا يجامع الرجاء، فعقيدة أهل السنة والجماعة أن العبد يرجو لنفسه ويخاف على نفسه، فيعمل الأسباب التي لنفسه من الرجاء والخوف الذي ذكرنا الاستغفار والتوبة والحسنات، وكذلك يرجو لإخوانه ويخاف على إخوانه، فيعمل الأسباب التي تنفعهم فيما رجا لهم، ويعمل الأسباب التي تنفعهم فيما خاف عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحو ذلك، ما يفعله العباد ثلاثة أنواع أيضا:
    [السبب الأول] الاستغفار والدعاء للمؤمنين( )... ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾[غافر:7] إلى آخره هذا دعاء للملائكة.
    وكذلك دعاء المؤمن للمؤمن في خارج الصلاة أو في الصلاة هذا نافع له ومن الأسباب التي يكفر الله جل وعلا بها خطايا المؤمن فتدعو لإخوانك المؤمنين فتدعو لفلان المعين المذنب هذا يمحو الله جل وعلا به السيئات.
    السبب الثاني إهداء القرب وعمل العبادات عن المؤمن، وهذه تشمل الصدقة عن الغير، أو عمل العمل الصالح إهداء ثوابه للغير، أو أن يعمل العبادة التي تدخلها النيابة مما جاء في السنة، ويجعلها لغيره مثل الصيام والحج والصدقة ونحو ذلك، هذه يأتي مزيد تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وفي دُعَاءِ الأَحْياءِ وَصَدَقَاتِهم مَنْفَعَةٌ لِلأَمْوَات).
    الثالث من هذه الأنواع الشفاعة إما في الدنيا أو في الآخرة، فشفاعة المؤمن لإخوانه المؤمنين نافعة له وأصل صلاة الجنازة لأجل دعاء المؤمن والشفاعة له، ولهذا جاء في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال «ما من مسلم يصلي عليه أربعون من أهل الإيمان إلا شفّعهم الله فيه» وفي لفظ آخر قال «كلهم يشفعون له إلا شفّعهم الله فيه» والشفاعة تحصل في الدنيا وتحصل أيضا في الآخرة، فشفاعة الأب لأبنائه والإبن لوالده ونحو ذلك والعالم لأحبابه وأهل القرابة لقراباته أو للمؤمنين، ومن ذلك؛ بل أعظم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لطوائف من أمته.
    القسم الثالث الأسباب التي من الله جل وعلا وهي أربعة:
    الأول وهو أعظمها وأجلها مغفرة الله جل وعلا لعبده ابتداء منة منه وتكرّما، الله جل وعلا من على عبد بالإسلام وبالإيمان، فقد يمن عليه بمغفرة الآثام ابتداءً، وهذا خلْق الله جل وعلا وهو سبحانه يثيب من يشاء، ويغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
    الثاني المصايب التي تحصل للعبد في الدنيا، مصيبة يوقعها الله جل وعلا بالعبد، مرض فقد حبيب حَزَن هَم نقص مال يهمه ونحو ذلك مما يفنى شيئا من ماله من بدنه يمرض يصاب بأشياء، هذه المصائب كفارات، يكفِّر الله جل وعلا بها من ذنب العبد، قال العلماء: المصايب -مصايب بالياء ويجوز مصائب لكن الأصح مصايب أو يعني الأشهر المصايب- التي تحصل على العبد من الله جل وعلا هي في نفسها كفارة؛ لأنها ليست من جهة العبد يعني العبد ما اختارها لنفسه الله جل وعلا ابتلى به المؤمن، فابتلاه بها ليكفر الله جل وعلا بها من خطاياه، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام «ما يصيب المسلم من هم ولا حزن ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» فالهم يأتي للمؤمن هَم ضيق صدر ما يدري إيش سببها، أو يبتلى بشيء يضايقه في صدره أو يهمه ويصبح في غم أو في هم، هذا سبب لأنه خروج عما يسعد العبد وابتلاء من الله جل وعلا العبد فهذا سبب من أسباب كفارة الذنوب، كذلك المصايب في النفس أو في الولد أو في المال أو نحو ذلك هذه المصايب كفارة هل يؤجر عليها؟ أو هي كفارة بشرط؟ المصايب كفارة بلا شرط بإطلاق، من وقعت عليه مصيبة فالدليل دل على أن الله يكفر بها من خطاياه، والحمد لله على فضله وتكرمه ومنته؛ ولكن قد يؤجر على المصيبة وقد يأثم على المصيبة، وذلك إذا صبر أو تسخط، فإن صبر أجر وإن تسخط أثم.
    فإذن المصيبة في نفسها كفارة فإن صار مع المصيبة صبر فهذا أجر، وإن صار مع المصيبة تسخط فهذا إثم.
    الثالث العذاب الذي يحصل على العبد في البرزخ؛ يعني في القبر يكون على العبد ذنب من الذنوب أو ذنوب كذا فيعذبه الله جل وعلا في القبر ثم يوم القيامة لا يدخله النار.
    الرابع ما يكون في عرصات القيامة من المصايب والأمور العظام التي قد يبتلي بها الله بعض عباده فيكون في ذلك كفارة لهم.
    فهذه عشرة أسباب فرّقها الشارح وقسمتها لك في ثلاثة من العبد، وثلاثة من المؤمنين لإخوانهم المؤمنين، وأربعة من الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.
    المسألة السادسة: قول الطحاوي (وَلَا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ) يعني لا نشهد للمحسن بالجنة، وكذلك لا نشهد للمسيء بالنار، فلا نشهد لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ، وهذه الجملة يأتي تفصيل الكلام عليها عند قول الطحاوي (وَلاَ نُنَـزِّلُ أحَداً مِنْهُم جَنَّةً ولا ناراً).
    المسألة السابعة: أن في قوله (وَلَا نُقَنِّطُهُمْ) التقنيط هو كاليأس أو التأييس من رحمة الله جل وعلا، بمعنى أن يقول القائل هذا ذنب كيف يغفر الله جل وعلا لك أو يستعظم أن يعفو الله جل وعلا عن فلان، وهذا قد يكون في بعض من أحواله من كبائر الذنوب، والواجب على المؤمن تجاه نفسه وإخوانه المؤمنين أن يفتح عليهم باب الرجاء إذا أقبلوا تائبين، وأن يفتح عليهم باب الخوف إذا كانوا مفرِّطين، إذا كان مقيم على لهوه، مقيم على ذنوبه على كبائره على آثامه فتعظه بالخوف، ولا تقنطه ولا تفتح له الأمل لأن فتح باب الرجاء له في هذه الحال يزيد من فعله للذنوب، وهذه من المهمات لأهل الدعوة والخطباء وأئمة المساجد إلى آخره في أن الناس إذا رآهم صالحين وعندهم تشدد يفتح لهم باب الرجاء وباب السهولة، كما قال عليه الصلاة والسلام لما أذن باللعب في المسجد قال «لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة» لأن اليهود في شريعتهم ثَم تشديد وآصار وأغلال وُضعت عليهم أو وضعوها على أنفسهم.
    وأما إذا رآه صاحب خوف وبكاء وكثرة بكاء من خوف الله جل وعلا وكثرة الخوف من أن الله لا يغفر ذنبه، ودائما يلاحظ ذنبه ويلاحظ كبيرته هذا يفتح له باب الرجاء.
    فإذن الواجب هو ما قال أن لا نأمن على المحسن وأن لا نقنّط المسيء فهذه عقيدة وأيضا يتبعها عمل.
    المسألة الثامنة: قوله (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ) قوله (بِرَحْمَتِهِ) هذا كما ذكرتُ لك في أوله بأنه لن يدخل أحد الجنة بعمله بل ثَم إلا عفو الله جل وعلا ورحمته. الله جل وعلا وعد من عمل صالحا بأن يدخله الجنة جزاء بما عمل قال سبحانه جزاء بما كانوا يعملون ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[الزخرف:72]، فالجنة يدخلها العبد بالعمل؛ لكن الباء هذه ليست باء المقابلة إنما هي باء السببية؛ يعني بسبب ما كنتم تعملون، فالعمل الصالح للعبد وأعلاه توحيد الله جل وعلا والبراءة من الشرك وأهله والكفر بالطاغوت هذا العمل الصالح هو أعظم الأسباب التي يدخل الله جل وعلا بها العبد للجنة، أما المقابلة فإن الجنة وما فيها من النعيم وما أعطى الله العبد من النعم في الدنيا بل ما منّ عليه أصلا من الهداية لا يستحق الجنة بالمقابلة؛ لأن حصول الهداية للعبد منة من الله جل وعلا وتكرّم ولو ترك العبد ونفسه لما اهتدى ولاحترزته ولاحتوشته الشياطين بهذا الجنة لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله جل وعلا كما قال هنا (نَرْجُو لِلْمُحْسِنِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، وَيُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ).
    إذن أهل السنة والجماعة يقولون إن دخول أهل الجنة للجنة بسبب الأعمال الصالحة، وإلا فإن الدخول برحمة الله جل وعلا لما دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام «لن يُدخل أحدا منكم الجنة عملُه» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضلا».
    وأما المعتزلة وأهل إنفاذ الوعيد فيرون أن دخول الجنة يكون بالعمل مقابلة؛ لأن الله سماه أجر كما يقولون والأجر يقتضي المقابلة.
    نكتفي بهذا، نقف عند هذا أسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق والرشد والسداد والعفو من السيئات والرحمة والرضوان.
    [الأسئلة] نجيب على سؤالين في الدرس:
    س1/ هل جاء في الأثر أن الرجل إذا فعل معصية ولم يتب قبل ست ساعات فإنه يكتب عليه ذنب وإن تاب بعدها فلا ذنب عليه؟
    ج/ جاء في تفسير قول الله جل وعلا ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ق:18]، أن العبد المؤمن إذا فعل سيئة قال الملك الموكل بالكتابة انتظروا فلعله يتوب أو يفعل حسنة لمحوها، هذا جاء في الأثر لكن ما أستحضر صحة ذلك.
    بارك الله فيكم سؤال واحد وفيه الكفاية إن شاء الله.
    س2/ ....
    ج/ هذا اختلف العلماء فيه، الظاهر منه أنّ قوله «من فاتته صلاة العصر قد حبط عمله» يعني خرجت عن وقتها يعني أخرجها عن وقتها كلها يعني بعد المغرب، حبط عمله يعني العمل الذي يقابل هذه الصلاة، مو مطلق العمل كل العمل، من أهل العلم من قال العمل الذي هو عمل الصلاة ولو صلاها أإنها حابطة؛ يعني الظاهر أن المقصود يحبط منها بهذه السيئة ما يقابل هذا.. والله أعلم.
    س3/ بعض العلماء يقول الربا حلال؟
    ج/ من قال الربا حلال فهو كافر، الفوائد فيها خلاف الخلاف فيها قديم، وأول من أباحها فيما أعلم الشيخ محمد عبده المصري، ولم يؤلف فيها لكن ألف فيها الشيخ محمد رشيد رضا رسالة معروفة مطبوعة بعنوان الربا والمعاملات المالية، ذكر في إباحة الفوائد وليس الفوائد فقط، حتى القروض التي فيها فائدة إذا كان المسألة ما فيها ظلم، إذا كان ما فيها استغلال للضعيف، قالوا لأن الله جل وعلا علل التحريم بالظلم فقال ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾[البقرة:279]، وربا الجاهلية كان في استغلال لحاجة الضعيف؛ لكن إذا كان ترك المال للبنك فيه قوة له البنك، ترك المال له فيه قوة، كون بنك يعطيه لا لاستغلال حاجتك إنما هو أعطاك لقاء عمله بالمال أو أقرض قروض ليست لاستغلال الحاجة إنما هي للإنتاج للاستثمار مصانع إلى آخره، محمد رشيد رضا كتب فيه كتاب الربا والمعاملات المالية في الإسلام، فيرى أن هذه كلها ما فيها ظلم من الغني الذي هو صاحب البنك للمستثر صاحب المال، وإنما هذه فيها إعطاء وإعانة له فليست محرمة.
    وبهذا قال مجموعة عن المصريين ومجموعة من علماء سوريا.
    لهذا نقول مسألة الفوائد البنكية هذه القول بإباحتها قول ضعيف والأدلة تشمل هذا وهذا، والتعليل بعدم الظلم والجواب عن هذا يطول، وقول الجمهور جمهور أهل العلم وعامة أهل العلم من عدم إباحتها؛ لكن معرفتك للخلاف يفيدك في عدم الدخول في التكفير، لأن الذي يكفَّر ما هو؟ هو ما أجمع عليه وهو ربا الجاهلية؛ يعني يعطيك قرض مثل ما قال قتادة ومجاهد وجماعة يعطيك قرض حسن ثم إذا أتى وقت السداد قال له جاء وقت السداد إما أن تقضي وإما أن [...]، يكون هذا من الغني للفقير لاستغلال الحاجة هو يعرف أنه ما يستطيع، هذا المجمع عليه وهو ربا الجاهلية الذي جاء فيه النص هذا من أباحه فهو كافر، يعني إباحة ذلك كفر، أما المسائل الثانية ربا القروض وربا الاستثمار والفوائد فهذه ما فيها تكفير فيها صواب وغلط.
    هذه مهمة مثل شيخ الأزهر لما أباحها هو مسبوق، كلامه فيها أضعف من كلام رشيد رضا، رشيد رضا أصلها تأصيل يعني فيه شبهة.
    س4/ذكر العلماء لفظ الحد لله؟
    ج/ الحد لله جل وعلا يريدون به أن الله سبحانه وتعالى غير مختلط بخلقه، فالله جل وعلا قالوا بحد يعني أنه غير مختلط بالخلق يعني غير ممازج لخلقه؛ لأنه لو كان ممازجا ما صار فيه حد لكن بحد يعني ثم حد ينتهي إليه الخلق، الخلق ينتهون فيه حد ينتهون إليه ويبقى رب العالمين، هذا معنى فيه حد.
    هو أوضح المسائل تطبيقا يعني استوى على عرشه قال بحد؟ قال نعم بحد، مثل ما قال سفيان وغيره وحماد بن سلمة، بحد يعني أنه مستوي على عرشه بذاته جل وعلا غير ممازج لخلقه غير مخالط لخلقه، هذا معنى بحد، قال نعم، بحد؛ يعني غير مخالط منفصل، قال نعم بحد؛ يعني فيه حد ينتهي الخلقُ إليه، فيكون ما بقى إلا رب العالمين.
    س5/ ...
    ج/ ... المهم يكون عالما.
    ...
    لا، ما يعرفه ما يصلح، لابد يكون عالما معروفا، موش عارفه شخصا، هو يعرف أنه عالم ليس جاهلا، اثنين قال هذا أقام عليه، لا يكفي، لابد يكون عالما، وهذه تختلف إقامة الحجة تختلف، فيه مسائل التي يمكن أي واحد -المعلوم من الدين بالضرورة- أي واحد، لكن المسائل الخفية التي فيها شبه.
    .....
    العلماء لا ينطبق عليهم، العلماء الذين درسوا اللغة ودرسوا النحو وهو عالم يعرف العقيدة ودرس هذا القرآن كافي في حقه؛ لأنه مفرط كونه ما عرف، لكن العوام والذين كالعوام هؤلاء يحتاجون إلى بيان.
    س/ ....آحاد الناس ما يكفّرون أحدا؟.....
    يعني في المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، لكن المعلوم من الدين بالضرورة، يعني مثلا واحد قال الخمر حلال هذا يكفّر؛ لأن هذا ما يحتاج إلى استدلال، لكن تجيء المسائل الخفية أو المسائل التي تحتاج إلى إقامة الحجة، المسائل الخفية يعني النادرة أو التي تحتاج إلى إقامة الحجة لابد من إزالة الشبهة من عالم أن يحكم؛ لكن المعلوم من الدين بالضرورة ما يحتاج إلى استدلال أصلا، وهذه فيها تفصيل تختلف باختلاف البلاد والأماكن.
    ...
    شيخ الإسلام كلامه صحيح، حتى هو يقول أنا أقول للمخالفين لو قلت بما تقولون به لكفرتُ؛ لأنه عنده العلم الواضح، يقول للمخالفين لو قلت بما قلتم به لكفرت، فهذا أصل مهم.
    ...إيش معنى تكفير الشافعي؟ ...
    ما كفر عينا ، كفرت، يعني ما حكم عليه بالردة كفرت يعني هذا من باب الوعيد، لكن ما حكم عليه بالردة في نفسه، يعني قال هذه التي قلتها كفرتَ بها، كفرتَ بقولك هذا، لا تعني أنك كفرت جعل هذا الكفر مستديما لأنه خرج من الإسلام به هذه لابد من إقامة الحجة، لأنه إذا كان اكتفى بذلك وأقام الحجة عليه خلص يصير مرتد.
    فإذن ظاهر كلام ابن تيمية الذي قلته الآن أنه بقول أن الشافعي ما حكم عليه بالردة هو قال كفرت من باب الوعيد. قال مقالتك مقالة كفر؛ لكنه ما حكم عليه.
    ....
    والله كلام ابن تيمية ما يساعدها، ما يساعد أننا نكفّر.
    س6/ ....
    ج/ التسخط معروف، التسخط منافي للصبر باللسان تكلم باللسان أو الجوارح أو في قلبه يظن الظن السوء بالله جل وعلا، التسخط له ثلاثة، الصبر له ثلاثة موارد كذلك التسخط له ثلاثة موارد، تسخط بالقلب، تسخط باللسان، تسخط بالجوارح.
    س7/ ...
    ج/ هو غلط كلامه، كلام الطحاوي ما هو صحيح، إذا كان أراد بأي ذنب ما نكفره بأي ذنب حتى يستحله، يدخل فيه الشرك بالله، يدخل فيه السجود للأوثان، مسبة النبي ، وظاهر السياق هو أراد مخالفة الخوارج والمعتزلة الخوارج والمعتزلة كلامهم في إيش؟ في الكبائر العملية، لذلك بأي ذنب يعني من الذنوب العملية أو بمجرد ذنب أو بكل ذنب.
    س8/....
    ج/ أولا الرضا له جهتان:
    الرضا بفعل الله جل وعلا بتصرف الله في ملكوته هذا واجب.
    والثاني الرضا بالمصيبة بالذنب، الرضا بفقد المال، الرضا بالمرض هذا مستحب.
    فالرضا بقضاء الله جل وعلا الرضا بفعل الله سبحانه وتعالى، تصرف الله في ملكوته يعني حيث هو من فعل الله جل وعلا ما نسخط تصرف الله في ملكوته؛ لكن يسخط المصيبة لكن هو جل وعلا ما شاء فعل هذا ملكه وهو عبد من عباده؛ لكن إذا نظر إلى المصيبة سخطها إذا نظر إلى المرض سخطه، فهذا مستحب أنه يرضا بالمصيبة، ولهذا المسائل هذه ذكر جل وعلا يعني مسائل الرضا قال سبحانه وتعالى ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[الحديد:23]، ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(22)لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾[الحديد:22-23]، قوله هنا في كتاب وقدر و﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هذا تعليم عدم اليأس وعدم الفرح يعظم ويوجد بقوة إذا قوي إيمان العبد بفعل الله.
    المقصود الواجب من الرضا بفعل الله، أما الذي يسميه العلماء الرضا بالقضاء كون الله جل وعلا قضى على الشيء، أما المقضي المصيبة المقضي ما هو واجب مستحب، يختلف فيها الناس، ناس رضاها دائم وناس يرضى لها ساعة وساعة ما يرضى، يختلف الناس، والله المستعان.
    س9/...
    ج/ لباس الشهرة الأصل فيه أنه اللباس الوضيع، هذا الأصل فيه، «من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة» أصل تفسير العلماء له أنه الثوب الوضيع يلبسه اللابس حتى يعتقد فيه، يعتقد فيه أنه زاهد ويترك الملذات إلى آخره، ويلحق به من جنسه من عموم اللفظ اللباس النفيس الذي يشتهر به الإنسان؛ يشتهر به كيف؟ يعني ما هو لباس طبقته، ما هو لباس مجتمعه، لذلك أصل السنة في اللباس النبي  ما خالف العرب، لبس لباس العرب، ما أحدث له لباس جديد كان العرب تلبس إزار ورداء فلبس إزارا ورداء، كانت العرب تلبس سراويل وقميص، عليه الصلاة والسلام لبس عليه الصلاة والسلام السراويل والقميص، السراويل الواحد يقال له سراويل، والجمع سراويلات، وسروال غلط.
    كانت العرب تلبس القميص وحده وعليه الرداء فلبس النبي  القميص والرداء، فلباسنا القميص وعليه الرداء، هذه سنة، النبي  كان له رداء للوفود، كان له بردة حمراء يلبسها للوفود؛ يعني يختلف كل حال، يلبس اللبس دائما في نفس المستوى دائما.
    الشهرة تختلف باختلاف الأماكن وباختلاف الأشخاص.
    س10/ ....
    ج/ أنا قلت أنه يكفر؟ من قال: ليس بالإمكان أبدع مما كان. يكفر، قد يكفر به إذا عنى شيئا إذا عنى ليس بالإمكان أبدع مما كان أن الله جل وعلا لا يقدر أن يخلق أجمل من هذا الكون، هذا كفر؛ لأن هذه الكلمة قد يقولها القائل تحتمل شيئا صحيحا وقد يقولها تحتمل معنى باطلا.
    أما إذا قال ليس في الإمكان أبدع مما كان يعني وجود هذه الطبيعة ما يمكن يكون فيه أحسن منها ما يمكن الله أن يخلق أجمل من هذه أعوذ بالله، الله تعالى على كل شيء قدير.
    س11/ «لا يدخل الجنة قاطع رحم» لا يدخلها مطلقا يعني؟
    ج/ يعني لا يدخلها أولا؛ بل هو متوعد بالعذاب على قطعه الرحم حتى يُطهَّر هذا من أحاديث الوعيد.
    س7/ الفخر بالأحساب هل يلحق بالطعن في الأنساب في الكفر؟
    ج/ لا، هذا فعل جاهلي، هو فقط من خصال الجاهلية وليس كفرا، هذا من خصال الجاهلية منها ما يصل إلى أنها كفر يعني من جهة أنها ذنب عظيم إلى آخره، ومنها من الخصال التي تركها واجب التفاخر مثل التطاول.
    ما دام أنه مسلم وحقق التوحيد فليس جاهلي، هذه خصلة قد يأتيه خصلة تكون من خصال الجاهلية مثل ما قال الرسول  لأبي ذر «أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية»، فقد يكون في المسلم خصلة من خصال أهل الجاهلية، خصلة واحدة خصلتين ثلاثة عشرة؛ لكن ما يقال فلان جاهلي جاهلي معناه أنك سلبت عنه الإسلام، فيك جاهلية تفاخر بالأحساب الطعن بالأنساب تقول فيك جاهلية هذا صحيح.
    سبحانك اللهم وبحمدك ( ).

  3. #3
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    333333
    المشاركات
    42
    ص 347
     وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.


    [الشرح]
    قال (وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ) يُريد بذلك أنّ أهل السنة والجماعة خالفوا الخوارج والمعتزلة الذّين يوجبون للعبد النّار والخوارج الذين يكفّرون بالذنوب، فقال: إن العبْدَ لا يَخْرُجُ مِنَ الإيمَانِ بعد أن دخل فيه وصار مؤمنا إلا بجُحُودِ ما أَدْخَلَهُ فيه. وهذا لأجل أنّ أعظم المسائل التي يتّضح فيها الخروج من الإيمان هو الجحد، وإلا فهذا الحصر غير مراد للمؤلف كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
    فإذن هذه الجملة فيها بيان مخالفة المكفّرين بالذنوب من الخوارج وأشباههم أو الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بأنه خالد مخلَّد في النار من الخوارج المعتزلة ومن شابههم.
    إذا تبين هذا فهذه الجملة المهمّة فيها مسائل:
    المسألة الأولى: دليل هذه الجملة.
    دليلها الإجماع؛ إجماع أهل السّنة والجماعة على أنّ من دخل في الإيمان بيقين فإنه لا يخرج منه إلا بأمرٍ متيقَّن مماثل -يعني في اليقين- بما به دخل في الإيمان، وهذا الإجماع له أدلته من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله .
    المسألة الثانية: هذا الحصر في كلام المؤلف ليس مرادا في أنه يكون لا يخرج أحد من الإيمان إلا بالجحد، فينفي التكفير والحكم بالردة بالاستحلال أو بالإعراض أو بالسب أو بغير ذلك مما يحكم على من أتى به مع قيام الشروط وانتفاء الموانع بالردة.
    ودليل عدم إرادته للحصر أنه ذكر في المسألة الثالثة التي مضت أنّ المؤلف تبعا لأهل السنة لا يكفّر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله فقال في المسألة التي مرا علينا قريبا (وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ) واستحلال الذنب غير الجحد، الاستحلال صورة والجحد صورة، فدل على أن الطحاوي لا يريد بالحجد الحصر، ففيه ردّ على من حصر الردة أو الكفر بالتكذيب أو بالجحد.
    المسألة الثالثة: الجحد من الكلمات التي جاءت في القرآن، ولها دلالتها في لغة العرب.
    فدلالة الجحد في اللغة: الجحد هو الرد والإنكار، جحد الشيء يعني رده أو أنكره، هذا من جهة اللغة، فيجتمع في اللغة مع التكذيب بالشيء ظاهرا أو مع التكذيب به باطنا.
    وأما في القرآن فإن الله جل وعلا ذكر الجحد في عدة آيات، وبيّن أن الجحد يجتمع مع التكذيب لأن الجحد قد يجتمع مع التكذيب وقد لا يجتمع مع التكذيب، قال جل وعلا في سورة الأنعام في وصف المشركين ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ(33)وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾[الأنبياء:33-34] الآية، فدل على أنهم لم يكذبوا وجحدوا، ولهذا حقيقة الجحد عند أهل السنة والجماعة مرتبطة بالقول لأجل هذه الآية قال ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ يعني باطنا ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ يعني ظاهرا، وهذا مرتبط بالقول لأنهم ردّوا على النبي عليه الصلاة والسلام.
    والخوارج ذهبوا إلى أنّ الجحد يكون بالقول وبالفعل معا، فعندهم أنّ الجحد يكون بالقول كقول أهل السنة، ويكون أيضا بالفعل فيدل الفعل على جحده، وهذا خلاف ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أنّ الجحد ليس مورده الفعل؛ لأن الفعل محتمل يدخله التأويل ويدخله الخطأ ويدخله أشياء كثيرة، وأما القول فإنه يقين وواضح؛ لأنّه دخل في الإيمان بالقول -بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله-، فلا يخرج منه إلا بجحود ما أدخله فيه، وما أدخله فيه كان قولا أعلنه، وجَحْد ما أدخله ورده وتكذيبه وإنكاره لما دخل فيه.
    وهذه الكلمة كلمة الجحد من الكلمات التي يَحصل فيها خلط وخلل، والواجب الرّجوع في فهمها إلى دلالة الكتاب والسنة وإلى ما أجمع عليه سلف الأمة.
    المسألة الرابعة والأخيرة: أهل السنة والجماعة رحمهم الله تعالى في تفصيل قولهم في الإيمان -الذي سيأتي في المسألة التي بعدها- خالفوا الخوارج والمرجئة، وفي إخراجهم الواحد من أهل القبلة من الإيمان أيضا خالفوا الخوارج والمرجئة، لهذا ثَم ارتباط ما بين الدخول والخروج من جهة اليقين، ولهذا المؤلف الطحاوي ذكر لك تنبيه على هذا بقوله (وَلَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.)، ولم يقل إلا بالجحد أو إلا بالجحود فيكون مطلقا؛ بل قال (إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ)، وذلك لأنه إذا ثبت الأمر بيقين لم يَزُل بالشك؛ بل لابد في زواله من يقين يماثل الأول، والمكفِّرات وما يُحكم على الواحد من أهل القبلة فيه بالردّة اختلف فيه الفقهاء والعلماء؛ لكن يجمع ذلك أنه لا يُخص عند أهل السنة لا يخص بالجحد.
    ولهذا نقول: الذين قيّدوا التكفير وإخراج العبد من الإيمان بالجحد فقط هؤلاء -دون الاستحلال ودون الشّك ودون الإعراض إلى آخره- هؤلاء ذهبوا إلى أنه لا يكفر إلا المعاند المكذّب ظاهرا كحال الكفّار والمشركين، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الله جل وعلا بيّن أن كفر من كفر من العرب:
    • بعضهم من جهة الإعراض.
    • وبعضهم من جهة الشك.
    • وبعضهم من جهة الجحد ظاهرا والاستيقان باطنا وهو العناد.
    ولهذا نقول: إن المرجئة هم الذين قالوا: لا يخرج المرء من الدين إلا بالتكذيب فقط. لابد من التكذيب، والتكذيب قد يكون مع الجحد، وقد يكون الجحد بلا تكذيب كما نصت عليه الآية ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾[الأنعام:33].
    إذا تبين هذا: فأصل قول المرجئة في الإيمان -كما سيأتي- أن الإيمان أصله الاعتقاد، فلذلك جعلوا المخرج منه التكذيب، ومن أضاف الاعتقاد والقول جعل المخرج التكذيب والجحد، مثل كلام الطحاوي هنا؛ لأنه يأتي أن الإيمان عنده هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، فيجعل التكذيب مخرجا ويجعل الجحد مخرجا لعلاقة التكذيب بالاعتقاد وعلاقة الجحد بالإقرار باللسان.
    وأما أهل السنة الذين خالفوا المرجئة في هذه المسألة العظيمة؛ فقالوا إن الركن الثالث من أركان مسمى الإيمان وهو العمل أيضا يدخل في هذا، وهو أنه يخرج من الإيمان بعمل يعمله يكون من جهة اليقين مخرجا للمرء مما أدخله فيه من الإيمان، وهذا سيأتي مزيد تفصيل له.
    فإذن أهل السنة عندهم المخرجات من الإيمان:
    • ومنها التكذيب وهو أعظمها.
    • ثم الجحد.
    • ثم الإعراض وهو الذي جاء في قوله جل وعلا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾[السجدة:22]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُون﴾[الأحقاف:3]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾[الأنبياء:24].
    • ومنه الشّك، الريب، يرتاب ما عنده يقين، المؤمن هو لا يرتاب، أما إذا ارتاب فهو لا يدري محمد عليه الصلاة والسلام رسول أم لا؟ فإن هذا صفة المنافق وهو المعذب في قبره لقوله يقول: ها ها لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وهذه جمل يأتينا مزيد بيان.
    نعم...




     وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.
    وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.
    [الشرح]
    قال الطحاوي في هذا الموضع (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ) يريد بالإيمان الإيمان الذي أمر الله جل وعلا به الناس والذي يصير به المرء معصوم الدم والمال، فعرّف الإيمان بأنه (الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، وهذا التعريف من جهة مورد الإيمان، وهو اللسان والجنان، فيتعلق باللسان عبادة الإقرار في الإيمان ويتعلق بالجنان عبادة التصديق في الإيمان.
    وهذا التعريف من جهة المورد هو المشهور عن الطائفة التي يسميها العلماء مرجئة الفقهاء، وهم الإمام أبو حنيفة ومن تبعه من أصحابه، ومنهم أبو جعفر الطحاوي صاحب هذه العقيدة، وهذه الجملة مما وافق فيه المؤلف الطّحاوي ما وافق فيه المرجئة وقرّر فيها عقيدتهم، وطريقة أهل السنة ومذهب أهل الحق خلاف هذا لأدلة كثيرة في هذا الموطن.
    إذا تبين ذلك من جهة أن الطحاوي في هذا الموطن لم يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة وإنما ذكر معتقد طائفته وهم الحنفية في هذه المسألة، وهو قول المرجئة -مرجئة الفقهاء- فإننا نقول: لابد من بيان لهذا الأصل العظيم وذلك يرتب على المطالب التالية:
    الأول من المطالب أو المسائل: أن الإيمان لفظ مستعمل في اللغة قبل ورود الشرع، والألفاظ لها في استعمالها قبل ورود الشرع لها حالان:
    الأول الحال العرفي.
    والثاني الحال الأصلي.
    والحال العرفي جعلناه الأول لقربه.
    والحال الثاني الأصلي جعلناه الثاني لأنه بعيد؛ يعني من جهة العموم.
    وهذا هو الذي يسميه طائفة من العلماء يسمونه الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية، فإن الألفاظ المستعملة لها حقائق لغوية حقيقة ليست مجاز، ولها حقائق عرفية يعني في استعمال أهل العرف لها.
    مثال ذلك لفظ الدّابة، فإنه في اللغة الأصلية- في لغة العرب في الاستعمال العام- الدابة كل ما يدبّ على الأرض سواء ما يدب على بطنه أم يدب على رجلين أم يدب على أربع، ودلّ على هذا قول الله جل وعلا ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ يعني من الدواب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾[النور:45].
    ثم خصت بالاستعمال العرفي بأن الدابة هي ذات الأربع التي تركب في الاستعمال يعني يركبها الناس أو يحرثون عليها أو إلى آخره، هذه تسمى حقيقة عرفية.
    والمعنى الأول يسمى حقيقة لغوية.
    فإذن صارت الحقيقة اللغوية أخص من الحقيقة اللغوية، اللغة دائما تكون عامة، ثم الناس يقيدون هذا اللغوي ببعض ما يحتاجون إليه للاستعمال، فتكون الحقيقة العرفية دائما أضيق من الحقيقة اللغوية، ثم لما أتى الشرع ظهرت ما سماه العلماء الحقائق الشرعية، الحقيقة الشرعية، أو ما سماه طائفة ممن ألف في فقه اللغة بالأسباب الإسلامية؛ الأسباب الإسلامية يعني ألفاظ جُعِل لها معانٍ لأجل السبب مجيء الإسلام. ( )
    من الأمثلة على ذلك لفظ السجود: لفظ السجود
    في اللغة للخضوع والذل بحركة البدن.
    ثم في العرف أن السجود يكون بالانحناء إما بركوع أو بما نسميه السجود؛ يعني وضع الجبهة على الأرض.
    ثم في الشرع السجود هو من وضع جبهته وأنفه على الأرض قال جل وعلا لبني إسرائيل ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً﴾[البقرة:58] يعني راكعين؛ لأنّ السجود العرفي يدخل فيه الركوع.
    أما في شريعة الإسلام ففي الحقيقة الشرعية للسجود هي وضع الجبهة على الأرض.
    هذه المقدمة مهمة في تأصيل هذه الحقائق الثلاث على مسألة الإيمان.
    الإيمان في أصل اللغة -اللغة مرتبطة بالاشتقاق، اللغة لها اشتقاق يجمع الكلام الذي شروطه واحدة- فالإيمان والأمن والأمان هذه كلماتها واحدة، أمن وأمان وإيمان فاشتقاقها من حيث الأصل واحد، ولهذا الإيمان يرجع إلى الأمن في اللغة، والأمان يرجع إلى الأمن وإلى الإيمان، فهذه الألفاظ في أصل اللغة اشتقاقها واحد وذلك من الأمن الذي هو المصدر.
    ما علاقة الإيمان في اللغة بالأمن يعني في دلالة اللغة؟ لأنه من آمن فقد أمِنَ، آمن بالشيء أمن على نفسه، آمن يعني صدق استسلم أطاع إلى آخره فإنه يعتبر مستسلما؛ يعني يعتبر أمن عدوه آمن بما قال عدوه صدقه فإنه يكون أمن غائلته.
    إذا تبين هذا فهذا الأصل اللغوي الذي هو [مزيد] الاشتقاق من كلمة واحدة يدلك على أن أصل كلمة الإيمان في اللغة من حيث الاشتقاق( )....
    خصت ذلك المعنى إلى أن الإيمان هو التصديق تصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه.
    وهذا جاء في القرآن يعني في استعمال المعنى اللغوي للإيمان في مواضع:
    كقوله جل وعلا في قصة يوسف مخبرا عن قول إخوة يوسف لأبيهم ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾[يوسف:17] لاحظ الأمن يعني بمصدق لنا التصديق الجازم الذي يتبعه عمل؛ أنك لا تؤاخنا بما فعلنا، قال ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا﴾[يوسف:18]، فما أعطاهم الأمن. كذلك قال جل وعلا في قصة إبراهيم عليه السلام ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[العنكبوت:26] ﴿آمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صدقه تصديقا جازما تبعه عمل له بحيث يأمن من العذاب الذي توعد به إبراهيم قومَه.
    كذلك في وصف النبي  في سورة براءة قال ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[براءة:61] ﴿وَيُؤْمِنُ﴾ أي يصدقهم فيما يقولون فيَأْمنون معه عقوبة النبي عليه الصلاة والسلام.
    إذن فالإيمان في اللغة اُستعمل ويراد به التصديق الجازم الذي يكون معه عمل يأمن معه؛ لأنه فيه صلة دائما بين المعنى العرفي الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية.
    جاء الشرع فأمر الناس بالإيمان، أمر الله جل وعلا الناس بالإيمان، فهذا الإيمان فيه كما ذكرنا لك أن الحقيقة العرفية تخصيص للحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية أسباب زائدة فيها زيادة عن الحقيقة العرفية، قد تكون تخصيصاا لها وقد تكون رجوع إلى الأصل الأول فتكون أوسع منها.
    فالإيمان في الشرع جاء بأنه متجه إلى الإيمان بالله ملائكته وكتبه ورسله إلى آخر أركان الإيمان الستة، وهذا الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر عرفنا منه أنه لا يكون إلا بعمل ولا يكون إلا بإقرار ولا يكون إلا بتصديق، قال جل وعلا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾[البقرة:285]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾[النساء:136]، ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّين وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى﴾[البقرة:177] الآية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾[الأنفال:2].
    فإذن وصف الله جل وعلا المظلوم من المؤمن بأن المؤمن مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وأيضا وأنه يعمل، وأيضا أنه يقول بلسانه.
    ولهذا جعل الله جل وعلا الصلاة للدلالة على هذا الأصل جعل الصلاة هي الإيمان فقال سبحانه ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾[البقرة:143]، نحن الآن نبحث هذا من جهة لغوية من الجهة التأصيلية للكلمة لا من جهة التعريف ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هذا استعمال، استعمال لكلمة الإيمان ويراد بها الصلاة، فهذا الصلاة هي الإيمان معنى هذا أنه تخصيص لأنه تصديق، فهو ليس تصديقا فقط، الإيمان صار صلاة إذن هذا من جهة الاستعمال اللغوي زاد على العرف ورجع إلى سعة اللغة، وهو التخصيص الواقع للتصديق لبعض ما يشمله التصديق الذي يتبعه عمل.
    إذا تبين هذا فيظهر لك أنّ الإيمان في الشرع نُقل عن الإيمان في العُرف، كما أن الإيمان في العرف نقل عن الإيمان في اللغة، فتأصيل الإيمان على أنه في اللغة هو إقرار وتصديق ليس صحيحا؛ لأن الإيمان في اللغة أعم من ذلك، مثل ما ذكرنا لك، الإيمان ما يجلب الأمن من عمل، من إقرار، من تصديق، من تصرف، من موالاة، كل ما يجلب الأمن هو إيمان، في اللغة قُيِّد ذلك على نحو ما ذكرت لك الآيات، في الشرع جاء تسمية الإقرار إيمانا، وجاء تسمية الاعتقاد إيمانا، وجاء تسمية العمل إيمانا.
    فإذن من حيث الدلالة اللغوية والدلالة العرفية والدلالة الشرعية تبيّن لك أن هناك اختلاف في مصير في معنى الإيمان.
    المرجئة مع أهل السنة في هذه المسألة اختلفوا، وهذا الاختلاف طويل الذيول كما هو معلوم؛ لكنهم اتفقوا من حيث الأصول -أصول الفقه- على أنّ الكلمة إذا اعتراها هذه الأمور الثلاثة الحقيقة اللغوية والشرعية والعرفية اتفق الجميع -الحنفية مع الشافعية والمالكية والحنابلة وغيرهم- اتفقوا على أن تقدم الشرعية لماذا؟ لأن الألفاظ الشرعية تخصيص، فلا يقول الحنفية -الذين قالوا في الإيمان بهذا التعريف- لا يقولون إن السجود إذا أمر به فإنه يصلح بالركوع يعني مثلا لو كان قرأ القارئ القرآن وهو يمشي، ثم مرت آية سجدة، فهل يركع ويكتفى بها؟ أم أنه يصير إلى السجود؟ السنة أمرت بالسجود السجود الشرعي، لماذا؟ لأن السجود جاء بهذا اللفظ الشرعي وبينته السنة فيكون هو المراد لا السجود العرفي.
    المسألة لها نظائر في الفقه في العقيدة في اللغة بعامة.
    فإذن نقول: اجتمعوا على أن الحقيقة الشرعية مقدمة، ثم هل تقدم اللغوية أو العرفية؟ خلاف بينهم.
    لهذا نقول: ما دام أن الجميع اتفقوا على تقديم الحقيقة الشرعية، فما هي أدلة الحقيقة الشرعية في الإيمان؟ الأدلة على ذلك يطول الكلام عليها، ونرجئها مع تفصيلها في الكلام والمذاهب للدرس القادم.
    لكن نكمل المقدمات أنا أريدك تفهم مسألة الإيمان لأنها مسألة مشكلة، وكثير ممن خاض فيها في هذا العصر ما أدرك حقيقة الفرق ما بين قول أهل السنة وقول المرجئة في هذا الباب.
    المسألة الثانية: الإيمان في اللغة هو التصديق الجازم -كما ذكرنا لك- الذي يتبعه عمل يأمن معه المؤمن الغائلة والعقوبة إلى آخره.
    وقولنا التصديق الذي معه عمل هذا تحصيل حاصل؛ لأنه إذا كان الشيء يلزم منه العمل فإنه لا يطلق في اللغة على من صدق به مصدقا حتى يعمل، فمن قال أنا مصدق بهذا الشيء، واحد جاء وقال سيارتك هي الآن تسرق، قال جزاك الله خيرا، قال فيها فلوس فيها أشياء هي الآن تسرق، قال جزاك الله خيرا وجلس ما تحرك، فهل يعتبر في اللغة مصدقا؟ إذا كان قد صدّق الخبر فإنه لابد أن يتبعه بعمل يدل على صدقه؛ لأن الناس ما يفرطون بأموالهم ولا يفرّطون بما فيه قوام حياتهم، فإذا مكث وقال أنا مصدق وهو ما ذهب وما عمل فلا يسمى مصدقا في اللغة، ليس في الشرع، لا يسمى مصدقا في اللغة، ودلّ على هذا الأصل قوله جل وعلا في قصة إبراهيم الخليل مع ابنه إسماعيل في سورة الصافات قال ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ(102)فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾[الصافات:102-103]، لاحظ العمل ﴿فَلَمَّا﴾ و﴿لَمَّا﴾ انتبه لكلمة ﴿لَمَّا﴾، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103)وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ(104)قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾[الصافات:103-105]، رؤيا الأنبياء حق، الرؤيا إذا رآها النبي صدّق بأنها وحي من الله جل وعلا؛ لكن متى صار مصدقا بالرؤيا؟ لما امتثل دلالتها ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103)وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ(104)قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ وهذا تصديق لغوي وهو أيضا تصديق شرعي.
    إذن فالإيمان في العرف -في الحقيقة العرفية- ولو أرجعناه إلى التصديق فإن حقيقة التصديق أن يكون معه عمل، فلا يسمى مصدقا من ليس يعمل أصلا فيما صدّق به.
    المسألة الثالثة: يمكن أن يُضبط ما جاء في القرآن من استعمال الإيمان بالحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية يمكن أن يضبط بضابط وهو أنه:
    • إذا اقترن بالإيمان الأمن أو كانت الدلالة عليه فإن المراد به سعة المعنى اللغوي.
    • وإذا عُدي الإيمان باللام في القرآن أو في السنة فإن المراد به الإيمان العرفي؛ يعني اللغوي العرفي.
    • وإذا عدي الإيمان بالباء، فإنه يراد به الإيمان الشرعي.
    وهذه كل واحدة لها طائفة من الأدلة تدل عليها.
    ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[الأنعام:82]، ﴿آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ﴾ هذا دلالة على عموم المعنى اللغوي.
    المعنى العرفي ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾[يوسف:17]، لاحظ التعدية باللام ﴿بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[العنكبوت:26]، ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[براءة:61] يعني النبي  ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا المعنى العرفي.
    ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ﴾[البقرة:285]، لاحظ الباء عدي الباء للدلالة الشرعية.
    لماذا اختلفت التعدية؟ لأن المطلوب اختلف، كيف؟ الإيمان اللغوي ما دام أنه تصديق فيقول: العرب صدق لفلان، تعديه باللام، صدق لفلان، وتقول صدق بكذا أيضا فتعديه بالباء؛ لكن الإيمان الشرعي آمن بكذا لاحظ التعدية مضمَّن أقر بكذا -أقرّ تتعدى بالباء في اللغة أليس كذلك؟- أقر بكذا صحيحة، عمل بكذا صحيحة، صدق بكذا صحيحة، ولهذا لما عدي الإيمان في اللغة بالباء علمنا أنه ضُمن المعنى الأصلي في اللغة زيادة تصلح للتعدية بالباء، فالمعنى اللغوي يتعدى باللام، فلماذا عدي بالباء تفريقا ما بين الإيمان الشرعي والإيمان اللغوي؟ هو تضمين العمل للإيمان الذي هو زيادة على ما جاء في المعنى العُرفي.
    هذا كثير في القرآن وفي اللغة أنه يأتي الفعل ويراد منه معنى، ثم تختلف التعدية بالحرف فيُضمّن الفعل معنى فعل آخر.
    سنضرب له مثالا حاضر عندكم جميعا وإن كان الأمثلة كثيرة لكن لقربه منكم، مثلا تعلمون قول ابن القيم وابن تيمية وعدد من مشايخنا حفظ الله الجميع ورحم الأموات في قوله تعالى في المسجد الحرام ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الحج:25]، قالوا هنا معنى الإرادة إيش؟ الهم يعني الهم الجازم لماذا؟ قالوا لأن الإرادة بنفسها تتعدى، الإرادة المعروفة تتعدى بنفسها، تقول أردت الذهاب، أردت المجيء، أردت القراءة، ما تقول أردت بالقراءة، فلما قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ ما قال ومن يرد فيع إلحادا قال ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ علمنا أن كلمة ﴿يُرِدْ﴾ هذه فيها فعل يناسب التعدية بالباء وهو همّ، همّ بكذا همّ فلان بكذا هذا الذي يناسب، ولذلك فسره الأئمة بأن المراد بالإرادة هنا الهم الجازم فيؤاخذ عليه ولو لم يحقق الإرادة من كل وجه وإنما يصدق عليه الهم؛ همّ بالفعل، همّ به صار داخلا في الفعل.
    نرجع هنا في اللغة ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾[العنكبوت:26]، يعني صدق له، أقرّ له، تقول أنا أقررت لك، إيش أقول أقررت إياك؟ لا، أقررت بكذا؛ لكن لفلان ، أقررت لفلان أو أقررت بفلان ما قال؟ أقررت لفلان ما قال، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ يعني صدق له، أقر له، إلى آخره.
    لاحظ هذا التصديق والإقرار الذي هو المعنى اللغوي؛ لكن جاء المعنى الشرعي في القرآن بزيادة على التعدية باللام إلى التعدية بالباء قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[النساء:136]. ما قال آمنوا لله ولرسوله مع أنه قال في النبي  ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[براءة:61]، وقال في لوط ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ قال ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾إلى آخره ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ ﴾[النساء:136].
    فإذن دلنا على أن هذا المعنى هو المعنى اللغوي، وزيادة عليه ما دخل فيه مما يناسب التعدية بالباء، وهو العمل، تقول عملت بكذا، يعني آمنت بكذا فعملت به، آمنت بأن الأمر واقع فعلمت به؛ يعني عملتَ بما آمنت، فلذلك دخلت الزيادة التعدية بالباء لتدلنا على أن العمل دخل في مسمى الإيمان أصلا، وهذه يأتي لها مزيد تفصيل في الأدلة إن شاء الله تعالى.
    إذا تبين هذا فمن المهم في تفصيل هذه المسألة التي غلط فيها الكثيرون منذ نشأت المرجئة، أن يُعرف أن الإيمان في اللغة في حقيقته تصديق وإقرار؛ لكن تصديق معه نوع عمل وليس لازما في حقيقته؛ لكن لا يسمى تصديقا حتى يكون معه عمل يأمن به، لصلته بالمعنى اللغوي العام.
    أما في الشرع فهو إقرار وتصديق وعمل؛ لأن الشرع جاء بالزيادة على المعنى اللغوي في هذه المسألة العظيمة.
    المسألة الرابعة: تعريف الطحاوي لهذه المسألة وهي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ)، هذا فيه إخراج العمل أن يكون موردا للإيمان، وقصْر الإيمان من حيث المورد على الإقرار والتصديق. وهذا كما ذكرت لك مذهب مرجئة الفقهاء.
    والمرجئة في هذه المسألة لهم أقوال متعددة أشهرها قولان:
    قول جمهور المرجئة وهو أن الإيمان هو التصديق، ولا يلزم معه إقرار.
    ثم مرجئة الفقهاء -وذهب إليه الماتريدية والأشاعرة وجماعة- أن الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان.
    وسمُّوا مرجئة لأنهم أرجؤوا العمل عن مسمّى الإيمان؛ يعني أخروه عن مسمى الإيمان، فجعلوا الإيمان متحققا بلا عمل.
    واستدلوا لمذهبهم بعدة أدلة من أشهرها قول الله جل وعلا في آيات كثيرة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعطف العمل على الإيمان هذا من أقوى أدلتهم على هذه المسألة، قالوا فهذا يدل على التغاير ما بين العمل وما بين الإيمان؛ لأنه لو كان عمل الصالحات في الإيمان لما قال ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولما عطف العمل على الإيمان قالوا دلنا على تأخير العمل وإرجاء العمل عن مسمى الإيمان.
    والجواب عن ذلك؛ يعني عن هذا الاستدلال بجواب مختصر ونرجئ الجواب المطول، الجواب عن ذلك أن اللغة فيها العطف بالواو ويراد العطف بالواو التغاير، والتغاير تارة يكون تغاير ذوات وتارة يكون تغاير صفات، وتارة يكون العطف بالواو لا لأجل التغاير ولكن تغاير ما بين الجزء والكل، وما بين العام والخاص، ما معنى هذا؟
    معناه أنك تقول مثلا في اللغة دخل محمد وخالد، محمد ذاته غير ذات خالد، هذا له حقيقة ذات وهذا له حقيقة، هذا يسمى تغاير ذوات.
    تغير الصفات تقول عندي مهنّد وصارم وحسام، والذي عند العرب سف واحد لكن يقول مهند من جهة وصفه أنه صنع في الهند، وصارم من جهة شهرته، وحسام من جهة أنه وقع عليه حسمه وقتله، منه في القرآن قال جل وعلا في تغاير الصفات ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾[الحجر:1]، الكتاب هو القرآن، والقرآن هو الكتاب، عطف بالواو هل لتغاير الذوات الكتاب شيء والقرآن شيء؟ لا أحد يقول بهذا من المتقدمين لا أحد يقول بهذا، فصار التعاطف هنا لتغاير الصفات ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ نظر فيه من جهة كونه مكتوبا باقيا، ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ يعني أنه يقرأ وينظر فيه للتلاوة والقراءة لتغاير الصفات.
    الثالث أن يكون العطف بالواو للتغاير ما بين الجزئي والكلي وما بين الكلي والجزئي فيعطف الخاص على العام ويعطف العام على الخاص، مثاله قول الله جل وعلا في سورة البقرة ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾[البقرة:98] ﴿عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ لاشك الملائكة غير الله جل وعلا الملائكة مخلوقة والرب جل وعلا هو مالك الملك وخالق الخلق، ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾ الرسل منهم رسل من الملائكة، ومنهم رسل من ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾[الحج:75]، فالرسل هنا أعم من الملائكة لأن منهم الرسل من الملائكة ومنهم الرسل من البشر.
    فإذن هنا صار عطفا عطف الكلي على الجزئي، ثم قال ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل وميكال من الرسل هؤلاء من الرسل، من الملائكة؟ نعم، فعطفهم ، هل حقيقة جبريل وميكال غير الملائكة؟ لا، هذا تغاير صحيح؛ ولكن تغاير بين حقيقة الجزء والكل والكل والجزء، وليس تغاير ذوات ولا تغاير صفات ولا تغاير حقيقة، ومن هذا عطف الخاص على العام لأجل التغاير ما بين الجزء والكل في قوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ﴿وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[العصر:1-3]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾[الكهف:107]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾[مريم:96]، الآيات كثيرة آمنوا وعملوا الصالحات، عطف العمل على الإيمان لأجل هذا وإلا فهو داخل في حقيقته.
    هنا لماذا تخصّ الخاص بالذكر بعد العام؟ لأجل التنبيه على شرفه.
    العرب تعطف الخاص على العام وتغاير في هذا لأجل التنبيه على شرف ما ذكر؛ لأنك تقول مثلا جاءني المشايخ وسماحة الشيخ عبد العزيز، هل هو ما هو من المشايخ؟ لكن هنا للتنبيه على شرفه جاءني المشايخ جميعا وزاد المقصود أو المقدم فيهم إلى آخره تنبيها على شرفه ومنزلته إلى آخره.
    فإذن الاستدلال بهذا، هذا جواب مختصر ونذكر لكم بيقية الأدلة والإجابة عليها فيما يأتي.
    أنا أردت في هذا التطويل اللغوي تأصيل المسألة لكم؛ لأن مسألة الإيمان خاض فيها كثيرون في هذا العصر، كتبوا فيها كتابات سواء في الإيمان أو في التكفير، وهم لم يدركوا حقيقة مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فمنهم من أدخل مذاهب المرجئة في مذهب أهل السنة وقصر الكفر على التكذيب والإيمان على التصديق وإما قولا أو باللازم، ومنهم من ذهب إلى أن الإيمان قول واعتقاد وأن العمل ليس من الإيمان أصلا كما هو قول المرجئة، والأقوال في هذا متعددة.
    نسأل الله جل وعلا أن يثبتني وإياكم على طريقة أئمتنا، وأن يكف عنا الشر وأن لا يخذلنا وأن ينور بصائرنا وبصائر أحبابنا إنه جواد كريم.
    نكتفي بهذا القدر ونكمل المرة القادمة.

  4. #4
    تاريخ التسجيل
    Jun 2007
    الدولة
    333333
    المشاركات
    42
    الدّرس السادس والثلاثون


     وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.
    وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.
    وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى.
    وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ.
    وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
    وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، وَنُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُمْ عَلَى مَا جَاءُوا بِهِ.



    [الشرح]
    قال رحمه الله (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذه الجملة من كلامه في تعريف الإيمان المقصود بها التعريف الشّرعي للإيمان عند الطحاوي رحمه الله.
    والذي دلّت عليه الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة -أئمة أهل الحديث والسنة- أن الإيمان قول وعمل، وبعض أهل العمل يعبّر بقوله الإيمان قول وعمل ونية كما قالها الإمام أحمد في موضع؛ ويعني بالنية الإخلاص يعني الإخلاص في القول والعمل، وهذا الأصل وهو أن الإيمان قول وعمل وُضِّح بقول أهل العلم:
    الإيمان اعتقاد بالقلب يعني بالجنان، وقول باللسان وعمل بالجوارح الأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بطاعة الشيطان.
    فشمل الإيمان إذن فيما دلت عليه الأدلة هذه الأمور الخمسة، وهي: أنه اعتقاد، وأنه قول، وأنه عمل، وأنه يزيد، وأنه ينقص.
    وتعريف الطحاوي للإيمان بقوله (هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذا تعريف بالمقارنة مع ما سبق فيه قصور، وهو موافق لما عليه الإمام أبو حنيفة رحمه الله وأصحابُه، فإنهم لم يجعلوا العمل من مسمى الإيمان، وجعلوا الإيمان تصديق القلب وإقرار اللسان، وجعلوا الأعمال زائدة عن مسمى الإيمان مع كونها لابد منها ولازمة للإيمان.
    فقول الطحاوي هذا ليس مستقيما مع معتقد أهل السنة والجماعة وأتباع أهل الحديث والأثر، وفيه قصور لأنه أخرج العمل عن تعريف الإيمان.
    وكون العمل من الإيمان له أدلة كثيرة من الكتاب والسنة أظن أني قدمت لكم بعضها قبل رمضان:
    ومنها في هذا المقام قول الله جل وعلا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾[البقرة:143]، ويعني بالإيمان الصلاة، فسمى الصلاة إيمانا والصلاة عمل.
    وقال أيضا جل وعلا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾( ).
    وقال ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾[البقرة:285]. دلت الآية على أنّ الإيمان له حقيقة هي الاعتقاد والإيمان بهذه الأركان الخمسة ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ فإذا كان العمل ناشئا عن هذه، فإنه لا يتصور الانفكاك ما بين العمل والإيمان، ولهذا في آية البقرة ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ جعل العمل هو الإيمان؛ لأنّه منه، ولأنه ينشأ عنه، فنفهم إذن أن قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾( ) ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك، لما فيه عطف العمل على الإيمان -كما قدّمنا آنفا- أن هذا عطف الخاص بعد العام وعطف الجزء بعد الكل، وهذا كثير في القرآن وفي اللغة كما قدمته لك.
    ومن السنة قول النبي عليه الصلاة والسلام كما قال لوفد عبد القيس لما أتوه في المدينة قال «آمركم بالإيمان بالله وحده أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ثم فسره بأركان الإيمان ثم قال «وأن تؤدوا الخمس من المغنم» وهذا -آداء الخمس- عمل فجعله تفسيرا للإيمان.
    وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» فجعل الإيمان له قول مرتبط بالنص وله عمل الذي هو إماطة الأذى عن الطريق؛ يعني الذي هو نوع العمل، وجعل له عمل القلب وهو الحياء، فلهذا الحديث مثل النبي عليه الصلاة والسلام شعب الإيمان بثلاثة أشياء منها القول ومنها الاعتقاد أو عمل القلب ومنها عمل الجوارح.
    ويأتي مزيد بيان لهذا الأصل في المسائل إن شاء الله تعالى.
    ثم زيادة الإيمان ونقصانه دل على الزيادة قول الله جل وعلا ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾[الأنفال:2]، وكذلك قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح:4]، وكذلك قوله ﴿زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾[محمد:17]، ونحو ذلك مما فيه زيادة، وإذا كان فيه الزيادة فإنه لابد أن يكون فيه النقص بمقابل ما تُرِك مما يسبب الزيادة في الإيمان.
    ولهذا قال بعض الصحابة لما ذكر زيادة الإيمان وذكر نقصانه، قال: إذا سبحنا الله وحمدناه وذكرناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا فذلك نقصانه.
    فزيادة الإيمان ونقصانه دل عليها قول الله جل وعلا والسنة وقول الصحابة رضوان الله عليهم.
    فمن هذا يتقرر أن قول الطحاوي (وَالْإِيمَانُ: هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّصْدِيقُ بِالْجَنَانِ.) هذا يوافق قول مرجئة الفقهاء وهم أبو حنيفة النعمان بن ثابت الإمام المعروف، وأصحابه ممن أخرجوا العمل عن كونه جزءا من الماهية؛ عن كونه ركنا في الإيمان.
    إذا تقرّر هذا فإن في مسألة الإيمان مباحث كثيرة جدا، وذلك لكثرة الخلاف في هذه المسألة وطول الكلام عليها وكثرة التصانيف التي صنفها السلف ومن بعدهم في هذه المسألة؛ لكن يمكن تقريب هذه المسألة لطالب العلم في مسائل:
    الأولى: الإيمان يجمع:
    الاعتقاد بالقلب، وهو الذي يسميه المرجئة -مرجئة الفقهاء- أو يسميه العامة التصديق.
    والثاني وقول اللسان.
    والثالث عمل الجوارح والأركان.
    والرابع الزيادة.
    والخامس النقصان.
    هذه خمسة أشياء فيها اختلف المنتسبون إلى القبلة على أقوال.
    القول الأول: هو أن الإيمان تصديق فقط، وهذا هو قول جمهور الأشاعرة، وهو قول أبي منصور الماتريدي والماتريدية بعامة، وهذا مبني منهم على أن القول ينشأ عن التصديق، وعلى أن العمل ينشأ عن التصديق، فنظروا إلى أصله في اللغة بحسب ظنهم، وإلى ما يترتّب عليه فجعلوه التصديق فقط، واستدلوا له بعدة أدلة مما فيه أنّ الإيمان تصديق كقوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾[البقرة:285]، وهذه أمور غيبية والإيمان بها يعني التصديق بها، وغير ذلك من الأدلة التي فيها حصر الإيمان بالغيبيات، والإيمان بالغيبيات يفهم على أنه التصديق. وهؤلاء يسمون المرجئة، وهم المشهورون بهذا الاسم.
    ومن المرجئة طائفة غالية جدا وهم الذين جعلوا الإيمان ليس التصديق بالقلب ولكن هو المعرفة بالقلب، وهو القول المنسوب إلى الجهمية وغلاة الصوفية كابن عربي ونحوه ممن صنفوا في إيمان فرعون.
    الفرقة الثانية: هم من قال إن الإيمان قول باللسان فقط، هؤلاء يسمون الكرّامية بالتشديد، الكرّامية ينسبون إلى محمد بن كرّام، هذا يقول: الإيمان هو الإقرار باللسان.
    لم؟ قال لأن الله جل وعلا جعل المنافقين مخاطبين باسم الإيمان في آيات القرآن، فإذا نودي المؤمنون في القرآن فيدخل في الخطاب أهل النّفاق، والمنافقون إنما أقرُّوا بلسانهم ولم يصدِّقوا بقلوبهم فدخلوا في اسم الإيمان لهذا الأمر.
    المذهب الثالث: هو مذهب مرجئة الفقهاء الذين قالوا: إن الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إقرار باللسان وتصديق بالجنان، ويجعلون أن الناس في التصديق -كما سيأتي- وفي أعمال القلوب أنهم واحد، فأعمال القلوب التي أصلها التصديق عندهم شيء واحد، والعمل ليس من الإيمان عندهم يعني من حقيقة الإيمان( )....
    والأشاعرة والكرامية فإنهم يقولون أنه لو وافى بلا عمل فإنه ناجٍ، لو لم يعمل قط فإنه ينجو.
    وأما مرجئة الفقهاء فيقولون لابد له من العمل فإذا ترك العمل فهو فاسق لكن لا يدخلونه في مسمى الإيمان، وأظن شبهتهم نصّ أبي حنيفة في هذه المسألة وهو بَنَاهُ على أن الذين خوطبوا بالإيمان هم المؤمنون والمنافقون، والمنافقون ليس لهم عمل، عملهم باطل وإنما أقرّوا باللسان فقط، والمؤمنون مصدّقون مقرّون، فجمع لهم ما بين يعني بين الطائفتين ما بين الإقرار باللسان والتصديق بالجنان؛ يعني في الخطاب الظاهر، وأما الأعمال فالحساب عليها آخر.
    ومن أدلّتهم الأصل اللغوي الذي هو حسب ما قالوا أن الإيمان هو التصديق، والإقرار أُخذ من زيادة في الشريعة لأنه لابد من قول لا إله إلا الله محمد رسول الله.
    الرابع: هو قول الخوارج والمعتزلة وهو أن الإيمان: اعتقاد بالجنان أو تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالجوارح. وهذا العمل عندهم لكل مأمورٍ به، والانتهاء عن كل منهيٍّ عنه، فما أمر به وجوبًا فيدخل في مسمى الإيمان بمفرده، وما نُهي عنه تحريما فيدخل في مسمَّى الإيمان بمفرده، يعني أن كل واجب يدخل في مسمى الإيمان على حدا، فيكون جزءا وركنا في الإيمان، وكل محرم يدخل في الانتهاء عنه يدخل في مسمى الإيمان بمفرده، وبناء على ذلك قالوا: فإذا ترك واجبا فإنه يكفر، وإذا فعل محرما من الكبائر فإنه يكفر؛ لأن جزء الإيمان -ركن الإيمان- ذهب. فعندهم أن هذا العمل جزء واحد، إذا فُقِدَ بعضه فُقِد جميعه.
    وبينهم خلاف -يعني بين الخوارج والمعتزلة- فيمن استحق النار بالآخرة ماذا يسمى في الدنيا؟ على القول المعروف عندهم:
    • وهو عندهم في الدنيا عند الخوارج يسمى كافر.
    • وعند المعتزلة هو في منزلة بين المنزلتين لا يقال مؤمن ولا يقال كافر.
    مع اتفاقهم على أنه في النار مخلد فيها لانتفاء الإيمان في حقه.
    الخامس: هو قول أهل الحديث والأثر وقول صحابة رسول الله  وهو أن الإيمان: اعتقاد -ومن الاعتقاد التصديق-، وقول باللسان وهو إعلان لا إله إلا الله محمد رسول الله، وعمل بالأركانـ وأنه يزيد وينقص.
    ويعنون بالعمل جنس العمل؛ يعني أن يكون عنده جنس طاعة وعمل لله جل وعلا، فالعمل عندهم الذي هو ركن الإيمان ليس شيئا واحدا إذا ذهب بعضه ذهب جميعه أو إذا وُجد بعضه وُجد جميعه؛ بل هذا العمل مركّب من أشياء كثيرة لابد من وجود جنس العمل، وهل هذا العمل الصلاة؟ أو هو أي عمل من الأعمال الصالحة من امتثال واجب طاعةً وترك المحرم طاعةً؟ هذا ثَم خلاف بين علماء الملة في هذه المسألة المعروفة بتكفير تارك الصلاة تهاونا أو كسلا.
    الفرق ما بين مذهب أهل السنة والجماعة وما بين مذهب الخوارج والمعتزلة أنّ أولئك جعلوا ترك أي عمل واجب أو فعل أي عمل محرّم فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان، وأهل السنة قالوا: العمل ركن وجزء من الماهية؛ لكن هذا العمل أبعاض ويتفاوت وأجزاء، إذا فات بعضه أو ذهب جزء منه فإنه لا يذهب كله. فيكون المراد من الاشتراط جنس العمل؛ يعني أن يوجد منه عمل صالح ظاهرا بأركانه وجوارحه، يدل على أن تصديقه الباطن وعمل القلب الباطن على أنه استسلم به ظاهرا، وهذا متصل بمسألة الإيمان والإسلام، فإنه لا يتصور بوجود إسلام ظاهر بلا إيمان، كما أنه لا يتصور وجود إيمان باطن بلا نوع استسلام لله جل وعلا للانقياد له بنوع طاعة ظاهرا.
    المسألة الثانية: الطحاوي هنا ترك العمل؛ يعني ما ذَكَرَ العمل في مسمى الإيمان، وكما ذكرتُ لك أن العمل عند أهل السنة والجماعة داخل في مسمى الإيمان وفي ماهيته وهو ركن من أركانه.
    والفرق بينهما يعني بين قول مرجئة الفقهاء وهو الذي قرره الطحاوي وبين قول أهل السنة والجماعة أتباع الحديث والأثر، الفرق بينهما:
    • من العلماء من قال: إنه صوري لا حقيقة له؛ يعني لا يترتب عليه خلاف في الاعتقاد.
    • ومنهم من قال: لا هو معنوي وحقيقي.
    ولبيان ذلك؛ لأن الشارح ابن أبي العز رحمه الله على جلالة قدره وعلو كعبه ومتابعته للسنة لأهل السنة والحديث فإنه قرر أن الخلاف لفظي وصوري، وسبب ذلك أن جهة النظر إلى الخلاف منفكّة:
    • فمنهم من ينظر إلى الخلاف لأثره في التكفير.
    • ومنهم من ينظر إلى الخلاف لأثره في الاعتقاد.
    فمن نظر إلى الخلاف في أثره في التكفير قال الخلاف صوري الخلاف لفظي؛ لأن الحنفية الذين يقولون هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان هم متّفقون مع أهل الحديث والسنة مع أحمد والشافعي على أن الكفر والردة عن الإيمان تكون بالقول وبالاعتقاد وبالعمل وبالشك، فهم متفقون معهم على أن من قال قولا يخالف ما به دخل إلى الإيمان فإنه يكفر، ومن اعتقد اعتقادا يخالف ما به دخل في الإيمان فإنه يكفر، وإذا عمل عملا ينافي به ما دخل به في الإيمان فإنه يكفر، وإذا شك أو ارتاب فإنه يكفر؛ بل الحنفية في باب حكم المرتد في كتبهم الفقهية أشد في التكفير من بقية أهل السنة مثل الحنابلة والشافعية ونحوهم، فهم أشد منهم، حتى إنهم كفروا بمسائل لا يكفر بها بقية الأئمة كقول القائل مثلا سورة صغيرة فإنهم يكفِّرون بها، أو مسيجد أو نحو ذلك أو إلقاء كتاب فيه آيات فإنهم يكفِّرون إلى آخر ذلك.
    فمن نظر -مثل ما نظر الشارح، ونظر جماعة من العلماء- من نظر إلى المسألة من جهة الأحكام وهو حكم الخارج من الإيمان قال: الجميع متّفقون -سواء كان العمل داخل في المسمى أو خارج من المسمى- فإنه يكفر بأعمال ويكفر بترك أعمال، فإذن لا يترتّب عليه على هذا النحو دخول في قول المرجئة الذين يقولون بلا عمل ينفع ولا يخرج من الإيمان بأي عمل يعمله، ولا يدخلون مع الخوارج في أنهم يكفّرون بأي عمل أو يترك أي واجب أو فعل أي محرم.
    فمن هذه الجهة إذا نُظِر إليها تُصُوِّر أن الخلاف ليس بحقيقي؛ بل هو لفظي وصوري.
    الجهة الثانية التي ينظر إليها وهي أن العمل -عمل الجوارح والأركان- هو مما أمر الله جل وعلا به في أن يُعتقد وجوبُه أو يعتقد تحريمه من جهة الإجمال والتفصيل؛ يعني أن الأعمال التي يعملها العبد لها جهتان:
    • جهة الإقرار بها.
    • وجهة الامتثال لها.
    وإذا كان كذلك فإن العمل بالجوارح والأركان فإنه إذا عمل:
    فإما أن نقول: إن العمل داخل في التصديق الأول؛ التصديق بالجنان.
    وإما أن نقول: إنه خارج عن التصديق بالجنان.
     فإذا قلنا إنه داخل في التصديق بالجنان -يعني العمل بالجوارح باعتبار أنه إذا أقر به امتثل- فإنه يكون التصديق إذن ليس تصديقا، وإنما يكون اعتقادا شاملا للتّصديق وللعزم على الامتثال، وهذا ما خرج عن قول وتعريف الحنفية.
     والجهة الثانية أن العمل يُمتثل فعلا فإذا كان كذلك كان التنصيص على دخول العمل بمسمى الإيمان هو مقتضى الإيمان بالآيات والأحاديث؛ لأن حقيقة الإيمان فيما تؤمن به من القرآن في الأوامر والنواهي في الإجمال والتفصيل أنك تؤمن بأنّ تعمل، وتؤمن بأن تنتهي، وإلا فإن لم يدخل هذا في حقيقة الإيمان لم يحصل فرق ما بين الذي دخل في الإيمان بيقين والذي دخل في الإيمان بنفاق.
    يبيّن لك ذلك أنّ الجهة هذه وهي جهة انفكاك العمل عن الاعتقاد، انفكاك العمل عن التصديق هذه حقيقة داخلة فيما فرق الله جل وعلا به فيما بين الإسلام والإيمان، ومعلوم أن الإيمان إذا قلنا إنه إقرار وتصديق فإنه لابد له من إسلام وهو امتثال الأوامر والاستسلام لله بالطاعة.
    لهذا نقول إن مسألة الخلاف هل هو لفظي أو هو حقيقي راجعة إلى النظر في العمل، هل العمل داخل امتثالا فيما أمر الله جل وعلا به أم لم يدخل امتثالا فيما أمر الله جل وعلا به؟ والنبي  بيّن أنه يأمر بالإيمان «آمركم بالإيمان بالله وحده»، والله جل وعلا أمر بالإيمان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾[النساء:136]. فالإيمان مأمور به، وتفاصيل الإيمان بالاتفاق بين أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء يدخل شعب الإيمان يدخل فيها الأعمال الصالحة؛ لكنها تدخل في المسمّى من جهة كونها مأمورا بها، فمن امتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فقد حقق الإيمان، وإذا لم يمتثل الأمر على الإجمال والتفصيل فإنه بعموم الأوامر لا يدخل في الإيمان.
    وهذه يكون فيها النظر مشكلا من جهة هل يُتصور أن يوجد أحد يؤمن بالإيمان يؤمن بما أنزل الله جل وعلا ولا يفعل خيرا البتة، لا يفعل خيرا قط، لا يمتثل واجبا ولا ينتهي عن محرم مع اتساع الزمن وإمكانه:
    في الحقيقة هذا لا يتصور أن يكون أحد يقول أنا مؤمن يكون إيمانه صحيحا ولا يعمل صالحا مع إمكانه، لا يعمل أي جنس من الطاعات خوفا من الله جل وعلا، ولا ينتهي عن أي معصية خوفا من الله جل وعلا، هذا لا يُتصوّر.
    ولهذا حقيقة المسألة ترجع إلى الإيمان بالأمر، الأمر بالإيمان في القرآن وفي السنة كيف يؤمن به؟ كيف يحققه؟ يحقق الإيمان بعمل، بجنس العمل الذي يمتثل به، فرجع إذن أن يكون الامتثال داخل في حقيقة الإيمان بأمره، وإلا فإنه حينئذ لا يكون فرقا بين من يعمل ومن لا يعمل، لهذا نقول إن الإيمان الحق بالنص بالدليل يعني بالكتاب والسنة بالله وبرسوله  وبكتابه لابد له من امتثال، وهذا الامتثال لا يُتَصَوّر أن يكون غير موجود للمؤمن أن يكون مؤمن ممكن أن يعمل ولا يعمل البتة.
    وإذا كان كذلك، كان إذن جزءا من الإيمان:
    أولا لدخوله في تركيبه.
    والثاني أنه لا يتصور في الامتثال للإيمان والإيمان بالأمر أن يؤمن ولا يعمل البتة.
    إذن فتحصل من هذه الجهة أنّ الخلاف ليس صوريا من كل جهة؛ بل ثم جهة فيه تكون لفظية، وثم جهة فيه تكون معنوية، والجهات المعنوية والخلاف المعنوي كثيرة متنوّعة، لهذا قد ترى من كلام بعض الأئمة من يقول أن الخلاف بين المرجئة وبين أهل السنة -مرجئة الفقهاء ليس كل المرجئة- أن الخلاف صوري؛ لأنهم يقولون العمل شرط زائد لا يدخل في المسمى وأهل السنة يقولون لا هو داخل في المسمى فيكون إذن الخلاف صوري.
    من قال الخلاف صوري فلا يظن لأنه يقول به في كل صور الخلاف، وإنما يقول به من جهة النظر إلى التكفير وإلى ترتب الأحكام على من لم يعمل، أما من جهة الأمر من جهة الآيات والأحاديث والاعتقاد بها والإيقان بالامتثال فهذا لابد أن يكون الخلاف حينئذ حقيقا.
    المسألة الثالثة: في الزيادة والنقصان.
    زيادة الإيمان ونقصانه اختلف فيها العلماء على أقوال:
    القول الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من أهل السنة ومن المرجئة ومن غيرهم قول الجمهور من جميع الطوائف أن الإيمان يزيد وينقص.
    القول الثاني: أن الإيمان يزيد ولا ينقص، هذا منسوب إلى بعض أئمة أهل السنة؛ لأن الدليل دلّ على زيادته وهذا أمر لا يدخله القياس، فلا نقول بنقصانه لعدم ورود الدليل في ذلك.
    الثالث: من قال إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهو قول طائفة من المرجئة ومن غيرهم.
    لا ارتباط ما بين الإرجاء والخلاف في الثلاث أركان الأولى وبين القول بزيادة الإيمان ونقصانه، تارة تجد من ذهب إلى أحد الأقوال يقول بزيادته ونقصانه ومن ذهب إليه لا يقول بزيادته ونقصانه؛ يعني مثلا الأشاعرة الذي هم مرجئة والماتريدية منهم من يقول بزيادته ونقصانه ومنهم من لا يقول بذلك لعدم ترتبها على حقيقة الإيمان، هذا أمر زائد أدخلوه في البحث.
    فإذن لا أثر في الخلاف مسألة زيادته أو نقصانه على كونه مرجئا، إذا قال أحد الإيمان ما يزيد ولا ينقص لا يدل على كونه مثلا مرجئا؛ لكنه يدل على أنه ليس من أهل السنة، إذا قال: الإيمان نقول بزيادته ونقصانه لا يدل على أنه من أهل السنة والجماعة، فقد يكون مرجئا، لا ارتباط بين مسألة الزيادة والنقصان ومسائل التعريف السالفة للإيمان.
    المسألة الرابعة: عرَّف الإيمان بقوله إقْرارٌ باللِّسانِ، وتصديقٌ بالجَنَانِ وقلنا في التعريف اعتقاد بالجنان، والفرق ما بين التصديق والاعتقاد أن التصديق شيء واحد؛ بمعنى أنه أمر واحد عبادة واحدة، وأما الاعتقاد فإنه يشمل أشياء كثيرة من أعمال القلوب، لهذا قالت طائفة من السّلف في تعريف الإيمان: الإيمان قول وعمل.
    وهذا دقيق لأنه يشمل قول القلب وقول اللّسان، وقول القلب هو تصديقه وإخلاصه في الله جل وعلا، وقول اللّسان هو إعلانه الشّهادة.
    وعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، وعمل القلب من محبة الله جل وعلا والتوكل عليه والخوف منه جل جلاله ورجاؤه والإنابة إليه وخشية الرّب جل جلاله ونحو ذلك من أعمال القلوب.
    فإذن ما يتّصل بالقلب من أمور الإيمان ليست شيئا واحدا ليس هو التصديق فقط، فثم أشياء كثيرة في القلب والتصديق هو أحدها، ولهذا فإن التفاضل -الزيادة والنقصان- زيادة ونقصان باعتبار العمل الظاهر، وزيادة ونقصان باعتبار عمل القلب الباطن، فالناس يتفاوتون في الإيمان من جهة زيادته ونقصانه في أعمالهم الظاهرة وهي أمور الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج والاستسلام لله جل وعلا في الأوامر والانقياد ونحو ذلك والانتهاء من المحرمات، وكذلك أعمال القلوب، وأعمال القلوب نوعان:
    أعمال واجبة الفعل.
    وأعمال محرمة العمل أو واجبة الترك.
    أما واجبة الفعل، مثل محبة الله جل وعلا، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخشيته، والخوف منه، والطمأنينة له، ونحو ذلك من أعمال القلوب.
    وما يجب تركه من أعمال القلوب، محرمات أعمال القلوب التي هي الكبر والبَطَر وتزكية النفس وسوء الظن بالله جل وعلا ونحو ذلك، هذه كلها يجب تركها.
    فإذن أعمال القلوب مشتملة على تصديق، ومشتملة على أمور واجب أن يعملها القلب، وأمور واجب أن ينتهي عنها القلب، وهذه كلها في الحقيقة متصلة؛ فالتصديق متأثر زيادة ونقصانا بأعمال القلوب.
    فأعمال القلوب تؤثر على تصديقه فأعمال القلوب الواجبة إذا زادت محبته لله جل وعلا زاد تصديقه، إذا زادت إنابته إلى الله وزاد خشوعه وخضوعه بين يدي الله وزاد توكله على الله سبحانه وتعالى زاد تصديقه وزاد يقينه.
    وكذلك إذا انتهى عن المحرمات، خضع لله جل وعلا، لم يكن متكبرا، ذليلا لله جل وعلا، غير مترفع على الخلق، محبا لسلامته -سلامة قلبه-، مبتعدا عما يفسد القلب، هذه كلها مؤثرة في تصديقه.
    فإذن رجع الأمر في زيادة الإيمان وفي نقصانه إلى زيادة الإيمان في أركانه الثلاثة ونقصان الإيمان في أركانه الثلاثة.
    فإذن زيادة الإيمان نقول يزيد بطاعة الرحمن يعني يزيد التصديق أو الاعتقاد بطاعة الرحمن، يزيد الإقرار باللسان بطاعة الرحمن، يزيد العمل بالأركان أيضا بطاعة الرحمن، فزيادة الإيمان راجعة للثلاثة جميعا؛ لأن الزيادة: تارة تكون بالعمل الظاهر؛ زيادة صلاة، زيادة صدقة، زيادة بر، زيادة جهاد في سبيل الله، طلب علم ونحو ذلك، فيرجع هذا إلى التصديق وإلى الإقرار بزيادة فيكون تصديقه واعتقاده أكثر وأعظم وأمتن وأثبت وكذلك إقراره، وهذا الإنسان يحسه من نفسه فإنه إذا زاد إيمانه زاد لهجه بذكر به جل وعلا تهليلا وتسبيحا وتحميدا وتكبيرا وتمجيدا.
    المسائل كثيرة نرجئ البقية إلى موضع آتي إن شاء الله.
    قال بعدها (وَجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  مِنَ الشَّرْعِ وَالْبَيَانِ كُلُّهُ حَقٌّ.) وهذا يعني به أن المؤمن لا يفرق بين كلام الله جل وعلا ولا بين السنن، فكل ما جاء في الكتاب أو صح عن رسول الله  في أمور العقيدة والشريعة هذا يجب التسليم له، وكله حق يجب الإيمان به، وذلك كما قال جل وعلا في وصف اليهود ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ﴾[البقرة:85] الآية، وكذلك قوله ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾[البقرة:285]، وكذلك قوله ﴿[وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ] وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾[النساء:150]، فالواجب هو الإيمان بجميع ما أنزل الله جل وعلا على رسوله في القرآن، وما صح عن رسول الله  في السنة، فالكل حق صدر عن مشكاة واحدة عن الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه.
    قال الطحاوي بعدها (وَالْإِيمَانُ وَاحِدٌ وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ، وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) هذه العبارة منه تقرير لكلام أبي حنيفة وأصحابه الذين يسمّون مرجئة الفقهاء في أن الإيمان واحد؛ يعني أنه في أصل وجوده شيء واحد، إذا دخل في الإيمان دخل بشيء واحد، إذا وجد سمي مؤمنا وإذا لم يوجد لم يسمّ مؤمنا.
    وهذا القدر القليل الذي هو الأصل نظروا إليه بأنه شيء واحد وأن أهله في أصله سواء؛ يعني أن أصل الإيمان يتساوى فيه المؤمنون، فجعلوا إيمان الناس كإيمان النبي عليه الصلاة والسلام، كإيمان أبي بكر، كإيمان محمد عليه الصلاة والسلام؛ بل كإيمان الرسل جميعا بل جعلوه كإيمان الملائكة جميعا، جعلوا اصل الإيمان لما كان واحدا يعني ما يحصل به الإيمان أول الأمر فجعلوا أهله في أصله سواء، وهذا كما ذكرت لك راجع إلى أن التصديق عندهم، وما يتصل به من أعمال القلب أنه شيء واحد، وقد نص على ذلك أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر في أن: التصديق واحد وأن التوكل واحد والمحبة واحدة وأن الخشية خشية القلب واحدة ونحو ذلك. فجعلوا ما في القلب مما يَحصل فيه الإيمان جعلوه شيئا واحدا.
    والذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة أن أهل الإيمان متفاضلون فيما بينهم، فالله جل وعلا فضل بعض الرسل على بعض فقال سبحانه ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[البقرة:253]. وتفضيل بعضهم على بعض نتيجة وسبب ونتيجة لسبب وهو تفاضلهم في الإيمان، فالرسل منهم أولوا العزم وهم أعظم الرسل مقاما وأرفع الرسل مكانة ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف:35]، فالرسل ليسوا في منزلة واحدة عند الله جل وعلا، والتفاضل هنا يكون بالإيمان بإيمان القلب ويكون بإيمان الجوارح بفعلها، وهنا جعل الطحاوي التفاضل بالأمور الظاهرة قال (بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) ولكن هذا التفاضل هو بعض التفاضل؛ لكن القلب يكون بين هذا وهذا من التفاضل في أعمال القلوب وبتصديق القلب ما ليس بمحدود.
    ولهذا خصّ الله جل وعلا أبا بكر الصديق  خصه بأنه صدق من بين سائر الصحابة، فقال جل وعلا ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾[الزمر:33]، خصه بالتصديق لأن عنده تصديقا زائدا عن غيره، كذلك قوله جل وعلا في سورة الليل ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى(17)الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى(18)وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى(19)إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾[الليل:17-20] فهذا الابتغاء الذي هو أصل الدخول في الدين الذي هو ابتغاء ما عند الله جل وعلا خص به أبو بكر؛ لأن له في ذلك مزيدا ليس لغيره، لهذا قال عليه الصلاة والسلام «لو وُزن إيمان الأمة بإيمان أبي بكر لرَجَح إيمان أبي بكر» وقال أيضا التابعي الجليل أبو بكر شعبة القارئ المعروف: ما سبقهم أبو بكر لكثرة صدقة ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه. هذا الشَّيء الذي وَقَر في القلب الذي هو التصديق الناس يعرفون أن فلانا وفلانا من جهة تصديقهم للخبر يختلفون -أي خبر-، يأتيك ثقة فيقول لك هذا حاصل، فهذا مصدّق وهذا مصدّق؛ لكن تصديق فلان تصديق الأول يختلف عن تصديق الثاني من حيث قوته من حيث الجزم به بقوة وثبات ويقين، ولهذا أبو بكر  حصل له من المقامات كما هو معروف في السيرة ما ليس لغيره.
    هذا التصديق أيضا فيه أشياء تؤثر فيه من جهة التفاضل كما سيأتي بيانه.
    إذن كلام الطحاوي فيما سمعت جعل التفاضل لأمور خارجة عن تصديق القلب عن اعتقاد القلب، جعلها، الخشية الظاهرة والتقوى الظاهرة ومخالفة الهوى وملازمة الأَوْلى من امتثال الأوامر واجتناب النواهي.
    إذا تبين هذا فنذكر على هذا عدة مسائل ربما ثلاث:
    الأولى: أن قوله (وَأَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) يُرَدُّ عليه بأن أصل الإيمان:
    • إما أن يكون لغويا.
    • وإما أن يكون شرعيا.
    فإذا كان المراد الشرعي -يعني الإيمان الشرعي-، فإنّ الإيمان يصدق على ما به يدخل المرء فيه، وأيضا يكون أصله فيما بعد ذلك من الزيادات، بمعنى أنه يدخل في الإيمان بتصديق وبكلمة، ثم بعد ذلك يكون تصديقه غير تصديقه الأول، وتكون كلمته غير كلمته الأولى، فلهذا أصله كلمة (أَصْله) فيها إجمال وعدم وضوح، هل المقصود بالأصل الأصل الشرعي حين دخل في الإسلام؟ أو المقصود الأصل الشرعي الذي يتابعه ويمشي معه؟ يعني يلازم الإنسان دائما وأنه أصل واحد لا يزيد دائما، هذا فيه إجمال، وأيضا لا يتفق هذا وذاك، لا يتفق أصل إيمانه أول ما دخل وأصل إيمانه الذي يصاحبه، وكل أحد يعرف من نفسه الفرق ما بين أصل الإيمان حين أسلم وأصل إيمانه حين رسخت قدمه وحَسُن إسلامه.
    فإذن كلمة (أَصْله)، أصل الإيمان ما هو؟ هذه كلمة مجملة غير واضحة مرجعها غير واضح ولا دليل من الكتاب أو السنة على هذه الكلمة؛ يعني التعبير بأصل الإيمان وعدم التفريق فيما بين الإيمان اللغوي والشرعي.
    المسألة الثانية: أن أصل الإيمان إذا قلنا هو التصديق، فإن التصديق يتفاوت، التّصديق نفسه الذي هو حد الإيمان -لأنهم عرفوا الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان- هذا التصديق الذي هو في تعريف الإيمان يتفاوت الناس فيه، وأيضا يزيد بالمعين وينقص.
    وأسباب زيادة التصديق ونقصان التصديق أمور:
    الأول: أنّ مسائل الشّرع مسائل الكتاب والسنة كثيرة، سواء في الأمور الاعتقادية أو في الأمور العملية، وهذه كلها يجب الإيمان بها على الإجمال والتفصيل، فإيمان وتصديق من كان مقتصرا على الإجماليات من جهّال المسلمين ليس كإيمان وتصديق ما صدّق بكل ما علمه؛ فالعالم تصديقُه مجمل وتصديقه مفصّل بكل ما علمه، وأمّا الجاهل فتصديقه مجمل وما علمه من الشريعة قليل صدّق به لكنه تصديق ببعض الأمور، فمن صدق بكل الفروع -سواء فروع العقيدة أو فروع الشريعة- من صدق بها جميعا فتصديقه أعلى ممن صدق تصديقا إجماليا لا تفصيل فيه.
    فإذن نفس التصديق من جهة أوامر الشريعة والإيمان بالنصوص يختلف من جهة الإجمال والتفصيل.
    الثاني: الأعمال الظاهرة أيضا امتثالا للأوامر واجتنابا للنواهي تؤثر في التصديق ويؤثر فيها التصديق، ويدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» كما في الصحيح، وفي مسند الإمام أحمد قال «إذا زنى العبد ارتفع الإيمان فكان على رأسه كالظلة فإذا ترك عاود» فإذن هو حينما يفعل هذه الكبيرة كبيرة الزنا أو كبيرة شرب الخمر أو كبيرة السرقة أو ما شابهها، حين يفعل، قال «فلا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»؛ لكن هنا هل زال تصديقه بالكلية؟ لا، لكن التصديق القوي المستحضر بالله جل وعلا وبالدّار الآخرة وبعقابه والحساب والعذاب وما يكون بعد ذلك ومن العقوبات في الدنيا، هذا التصديق المتجزّئ الكبير هذا التصديق غاب عنه حين واقع المحظور، لذلك قال «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن».
    فإذن الأعمال الظاهرة امتثالا للواجب وانتهاء عن المحرم هذه تزيد في التصديق، قال جل وعلا ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا﴾[الأنفال:2]، وزيادة الإيمان ترجع إلى أركان الإيمان، إذْ تخصيص بعض الأركان دون بعض ليس عليه دليل، زياد في التصديق وزياد في العمل وزاد في الإقرار، وكذلك قوله جل وعلا ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح:4]، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هنا نكرة تفيد الإطلاق في هذا المقام يعني إيمانا من جهة العمل وإيمانا من جهة الإقرار وإيمانا من جهة التصديق والاعتقاد.
    الوجه الثالث من أن التصديق يزيد: أعمال القلوب مختلفة، الإنابة إلى الله جل وعلا محبة الرب سبحانه والخضوع له والتلذذ بمناجاته والأنس بتلاوة كتابه والتعرض لنفحاته في الأوقات الفاضلة، هذه أمور تزيد من اعتقاد القلب، وكل أحد يعلم من نفسه أنّ حاله من وجود هذه الأمور ومجاهدة النفس فيها ليس كحاله بدونها، وإيقانه بالجنة والنار وبالنعيم وبالعذاب والتوكل على الله جل وعلا ويقينه وقوّته في الإيمان تختلف فيما إذا تعاطى هذه العبادات وفيما إذا تهاون بها.
    فإذن إيقانه وتصديقه متصل بعبادات القلوب، وعبادات القلوب تزيد في التصديق والتصديق زيادته يؤثر فيها، فعمل القلب واحد، وإذا قلنا عمل القلب نسميه كذا ونسميه كذا فباعتبار التَّجْزِيء باعتبار الإيضاح؛ لكن الحقيقة القلب شيء واحد، إذا جاءه التوكل قوي التصديق، إذا قوي التصديق قويت محبة الله جل وعلا، إذا قويت محبة الله سبحانه وتعالى قويت الإنابة إليه وامتثال أوامره والرغبة فيما عنده، فالقلب -إذن- تفريق أعماله إنما هو للإيضاح والبيان، وإلا فكل عمل قلبي مؤثر على العمل الآخر صدقا في الاعتقاد وإنابة وخضوع وامتثال ظاهر وامتثال باطن وإقرار وإيقان.
    ولهذا تجد أنّ أعظم المؤمنين إيمانا أكثرهم خضوعا وذلا لله جل وعلا وعدم ترفع على الخلق؛ لأن هذا الذي في القلب بعضه يؤثر على بعض، الصلاة يؤثر على الثواب فيها وعلى حُسنها تصديق القلب وخشية القلب وإنابته وحضوره إلى آخره، وكذلك هي تؤثر في هذه الأعمال.
    إذن في التفريق ما بين أعمال القلوب هذا تصديق وهذا توكل وهذه خشية وهذه إنابة بأنه تفريق منطقي صحيح يعني يمكن أن ترى هذه بلا هذه ولا صلة بينهما هذا بحث نظري لا حقيقة له، فالإيمان إيمان القلب وأعمال القلوب مترابطة بعضها آخذ ببعض فإذا زاد التوكل زاد التصديق، وإذا قوي التصديق واليقين بأسباب الأعمال الظاهرة قوي التوكل قويت الخشية قويت المحبة قوي الرجاء ونحو ذلك.
    فإذن من أوجه زيادة التصديق وزيادة أصل الإيمان -إذا صح التعبير موافقة لأولئك- فإنه ينظر فيه إلى تفاوت الأعمال؛ أعمال القلوب.
    هذه بعض أسباب تفاوت الناس في تصديق القلب، وهناك أوجه أخرى ذكرها أهل العلم في مواطنها وخاصة ابن تيمية في كتاب الإيمان؛ فإنه ذكر سبعة أوجه أو أكثر في تفاوت الناس في أصل الإيمان أو في التصديق أو في الاعتقاد. ( )... يتعلّق باعتقاد الناس.
    المسألة الثالثة والأخيرة: قوله (وَالتَّفَاضُلُ بَيْنَهُمْ بِالْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى) هذا صحيح؛ لكنه وجه تفاضل وليس كل أوجه التفاضل.
     فالتفاضل قد يكون مِنّة من الله جل وعلا وتكرما أن يمنّ على أحد بأن يكون أفضل من أحد، والله جل وعلا يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء.
     ويكون التفاضل أيضا بأمور زمانية مثل صحبة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه زائدة عن الأمور التي ذكرها وهي (الْخَشْيَةِ وَالتُّقَى، وَمُخَالَفَةِ الْهَوَى، وَمُلَازَمَةِ الْأَوْلَى)، وقد جاء في الحديث لمقام أحدهم ساعة مع رسول الله  خير من عبادة أحدكم ستين سنة أو كما جاء عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، قد قال عليه الصلاة والسلام أيضا في الحديث الذي في الصحيحين «لا تسبوا أصحابي -لما نِيلَ من عبد الرحمن بن عوف وهو من السابقين- فوالذي نفس محمد بيده فلو أنفق أحكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» يعني ولا نصف المد، وذلك فضل خاص زماني لأنهم اتّصلوا وصبحوا رسول الله .
     الوجه الثالث: التفاضل يكون بأعمال القلوب دون الأعمال الظاهرة، فقد تكون الأعمال الظاهرة قليلة؛ لكن أعمال القلوب عظيمة، وأعمال القلوب يؤجر عليها العبد في الواجبات، ويؤجر على المنهيات -منهيات أعمال القلوب من الكبر والبطر ورؤية النفس ونحو ذلك وسوء الظن بالله أو سوء الظن بالخلق أي بالمسلمين-، ومنها أعمال يؤجر على فعلها ويأثم على فعلها؛ يعني يؤجر على فعل بعض الأعمال ويأثم على فعل بعض الأعمال.
    فإذا كان كذلك كان فعل القلب ميدانا للتفاضل، عمل القلب ميدانا للتفاضل.
    لهذا يروى عن الحسن البصري رحمه الله أنه سئل: لماذا سبق الصحابة وفُضِّلوا مع أنّ عبادة من بعدهم يعني التابعين أكثر من عبادتهم؟ فقال الحسن: كانوا يتعبدون -يعني الصحابة- والآخرة في قلوبهم، وهؤلاء يتعبدون والدنيا في قلوبهم. العمل الظاهر واحد؛ بل ربما يكون أكثر، لهذا صار الابتلاء بحسن العمل، وحسن العمل فيه الإخلاص وفيه المتابعة، وإذا اتّفق هذا وهذا في المتابعة، فهل يتّفقان في عمل القلب؟ وهل يتّفقان في الإخلاص؟ وهل يتّفقان في حسن العمل الباطن وفي الخشية وفي الإنابة؟ لا يتفقوا هذا وهذا يصلون جنب بعض وهذا وهذا يختلفون تماما.
    هذه بعض المسائل المتعلقة بذلك فتحصّل من هذا أن قوله (أَهْلُهُ فِي أَصْلِهِ سَوَاءٌ) ليس صوابا بل غلط، وليس إيمان الرسل كإيمان عامة أتباعهم، وليس إيمان الناس كإيمان الصحابة، وليس إيمان الصالحين كإيمان الفاسقين، وليس إيمان المقرَّبين كإيمان سائر خلق الله من المكلَّفين، هذا فيه اختلاف فهم يختلفون أعظم الاختلاف في إيمانهم بالله وأسمائه وصفاته وربوبيته وألوهيته وما في قلوبهم من العلم الإجمالي والعلم التفصيلي وما في قلوبهم من الأعمال الصّالحة وكذلك ما علموه ظاهرا من الأعمال الصّالحة وانتهوا عما نهاهم الله جل وعلا عنه، فهم يختلفون في ذلك أعظم الاختلاف.
    أسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من أهل المقامات العالية في الإيمان، وأن يغفر لنا ذنوبنا الكثيرة وزللنا وتقصيرنا، وأن يبارك لنا في قليل أعمالنا، وأن يُصلح لنا نياتنا وذريّاتنا وأهلينا، إنه سبحانه جواد كريم.
    وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه.

  5. #5
    تاريخ التسجيل
    Jul 2006
    الدولة
    ////////////////
    المشاركات
    1,254
    جزاك الله خيرا

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •